مصطفى صادق الرافعي
169
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
يدعوهم إلى النظر في أساليبه ووجه نظمه وتدبّر طريقته وأن يروزوا أنفسهم منها ويزنوها به ، حتى إذا استيقنوا العجز وأطرقوا عليه ، كان ذلك سببا لمن يخلفهم على اللغة إلى استبانة وجوه الإعجاز « 1 » ، فكشف لهم عن فنون البلاغة ، وتأدت بهم إلى حيث بلغوا من تتبع كلام العرب والاستقصاء فيه والكشف عن محاسنه ، وأغرى بعض ذلك من بعضه ، وأعان كلّ على كل ، حتى اجتمعت المادة وتلاحقت الأسباب ولولا ما صنعوا لخرج الناس إلى العجمة ، ولذهبت هذه الآداب ولما بقي في الأرض إلى اليوم من يقول إن القرآن معجز ! . وذلك بأن العرب لم يكن لهم من البلاغة إلا علم الفطرة ، ولم يكن لمن بعدهم من هذه الفطرة إلا ما ترجعه الوراثة من أوليتهم ، وهو شيء تتولاه العصور بالتحول والزيغ ، وتدأب عليه بالنقض والاختلاف ، حتى يخرج عن أصله إلى أن يكون أصلا جديدا . ثم إلى أن تنشق منه أصول أخرى وهي الطريقة التي تنشأ بها اللغات وتستمرّ وتذهب في الاشتقاق ، فلا يبقى على ذلك من البلاغة العربية شيء ينفذ إليه العلم أو تستطيعه القدرة ، إذ تكون العربية نفسها قد درست وانتثرت بقاياها في القبور والأنقاض « 2 » . ومن البيّن أن أخص أسباب الارتقاء كائن في الغلبة ، والتميز والانفراد حيث
--> ( 1 ) للتحدي حكمة أخرى قرر بها القرآن أسمى ما انتهت إليه عقول الحكماء وأهل التشريع في العصور الأخيرة ونحن ننقلها هنا من كتابنا ( تحت راية القرآن ) : « لا ثقة برأي إلا بعد تمحيصه ونقده ، ولن يكون النقد نقدا إذا كان من أنصارك ومؤازريك ، بل هو النقد إذا جاء من المعارضين لك والمنكرين عليك ، ثم لا يتم له معناه إلا إذا كان من أقواهم فكرا ، وأصحهم رأيا ، وأبلغهم قلما ، فإن لم ينتقدك هذا ومثله فادفعهم إليك دفعا ، وتحدهم تحديا ، وارمهم بالعجز إذا لم يفعلوا ، فإن الحجة ليست لك ولا هي لهم ، وإنما تنحاز إلى الغالب منكما ، وحتى الحجة الصحيحة فإنها أبدا في حاجة ماسة إلى حجة أخرى تؤيدها ، أو تفسرها ، أو تحدها ، أو تمنع اللبس بينها وبين غيرها ، فكل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده ، إذ إن المعارضة نصف الحق ، وإن هي لم تكن حقا لأنها تبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفي عنه الظنة ، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم ، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية ، هو وحده الذي انفرد بتحدي الخلق وإثبات هذا التحدي فيه ، وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني ، ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا ، وكان العجز عنه حجة دامغة ، معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه ، فسما بالحجتين جميعا وذلك هو المبدأ الذي لا استقلال ولا حرية بغيره ، وما الصواب إذا حققت إلا انتصار في معركة الآراء ، ولا الخطأ إلا اندحار فيها ، لا أقل ولا أكثر ، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية » . ( 2 ) وهذا هو الذي يحاوله المستعمرون ويعمل فيه الملحدون ممن فسقوا عن الإسلام فيريدون أن يكون لكل أمة من الأمم الإسلامية لغة إقليمها حسب حتى تنسى العربية فيذهب بذهابها التاريخ الإسلامي كله ، وقد فصلنا ذلك في كتابنا ( تحت راية القرآن ) فانظر فيه .