مصطفى صادق الرافعي
158
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
النظم والبيان « 1 » ، مع أن أبلغ ما اتفق للبلغاء لا تجمع منه النفس بعض ذلك حتى يتعسفها ويثقل عليها وتبتلى منه بالتخمة وسوء الاحتمال ، وحتى لا تكون البلاغة في سائره بعد ذلك إلا طعمة خبيثة لأنها جاءت من وراء القصد وفوق الحاجة فلا تعدم النفس أن تجد من جماله قبحا ، ومن صوابه خطأ ؛ ولا يمتنع أن يكون فيه النافر والقلق والمحال عن وجهه وما إلى ذلك مما تسكن النفس إلى تأمله وتستجمّ بتصفحه والبحث عنه واعتراضه في سياق الكلام ونسق التركيب . وهذا أمر ليس في قدرة أحد أن ينفيه عن كلام البلغاء متى امتدت به النفس واتسقت له المعاني وتداخلت فيه الأغراض ، ولا نرى أحدا يقدر على أن يثبت منه شيئا في القرآن ؛ لأن طريقة نظمه قد جعلت في تلاوته قوة الانبعاث للنفس المكدودة ، كما يكون للخالص من ضروب الموسيقى ، على ما هو معروف من تأثيرها في النفس ووجه هذا التأثير ، بل هو للنفس العربية كالحداء للإبل العربية ؛ مهما كدّها السير لم يزدها إلا إمعانا فيه ولم تستأنف منه إلا نشاطا واعتزاما حتى ليذهب بها المراح وكأنها تريد أن تسابق الحروف والأصوات المنبعثة من أفواه من يحدونها . ولو ذهبنا نبحث في أصول البلاغة الإنسانية عن حقيقة نفسية ثابتة قد اطردت في اللغات جميعا وهي في كل لغة تعدّ أصلا في بلاغتها ، لما أصبنا غير هذه الحقيقة التي لا تظهر في شيء من الكلام ظهورها في القرآن وهي : « الاقتصاد في التأثير على الحس النفسي » . وما تعرف في هذه الأساليب العربية خاصة - وقد مخضناها جميعا وفررنا باطن أمرها - إلا إسرافا على هذا الحس ، أو تراجعا من دونه ؛ فأما أمر بين ذلك على أن يكون قصدا ، وألا يكون إلا المحض من هذا القصد ، وأن لا تجده إلا سواء في محض الاعتبار من حيث أجريته على هذه الحقيقة فلا يكون من شأنه أن يستوي معك في جهة ويلتوي عليك من جهة - فهذا ما لا نعرفه على أتمه وأبينه إلا في القرآن ، ولا نعرف قريبا منه إلا في كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإن كان بين الجهتين ما بينهما « 2 » . ولما كان الأصل في نظم القرآن أن تعتبر الحروف بأصواتها وحركاتها ومواقعها من الدلالة المعنوية ، استحال أن يقع في تركيبه ما يسوغ الحكم في كلمة زائدة أو حرف مضطرب أو ما يجري مجرى الحشو والاعتراض ، أو ما يقال فيه إنه تغوث واستراحة « 3 »
--> ( 1 ) وبهذا سهل على أكثر البلغاء والعلماء من أهل السمت والورع أن يختموا القرآن مرة في كل يوم ، وهو أمر فاش لا سبيل بعد إلى المكابرة فيه . وكان كثير منهم إذ أقبل على ربه ووقف بين يديه في صلاته ، قرأ في الركعة الواحدة سورة من الطوال أو سورتين ، إلى ربع القرآن ، وهو في ذلك مستغرق لا يمل ، وكأنه ليس في الأرض أوليس من أهلها . ( 2 ) نجد بسط هذا المعنى في الكلام على البلاغة النبوية وكيف كان وجها في أنه صلّى اللّه عليه وسلم أفصح العرب . ( 3 ) أي استغاثة من ضعف واستراحة من كلال ؛ فكأن الكاتب أو المتكلم يتغوث به .