مصطفى صادق الرافعي

153

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ولم يبق بعدهم للفصحاء إلا كما بقي من بعد هؤلاء في العامية ، بل لما بقيت اللغة نفسها ، كما بسطناه في موضعه . وليس يخفى أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مدا أو غنّة أو لينا أو شدة ، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها ؛ ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع ؛ أو الإطناب والبسط ؛ بمقدار ما يكسبه من الحدرة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها ، مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى . فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن على طرق الأداء الصحيحة لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها في هز الشعور واستثارته من أعماق النفس ؛ وهو من هذه الجهة يغلب بنظمه على كل طبع عربي أو أعجمي « 1 » ، حتى إن القاسية قلوبهم من أهل الزيغ والإلحاد ، ومن لا يعرفون للّه آية في الآفاق ولا في أنفسهم ، لتلين قلوبهم وتهتز عند سماعه ، لأن فيهم طبيعة إنسانية ، ولأن تتابع الأصوات على نسب معينة بين مخارج الأحرف المختلفة ، هو بلاغة اللغة الطبيعية التي خلقت في نفس الإنسان ، فهو متى سمعها لم يصرفه عنها صارف من اختلاف العقل أو اختلاف اللسان ؛ وعلى هذا وحده يؤوّل الأثر الوارد أن في الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ، لأنه يجنب هذا الكمال اللغوي ما يعد نقصا منه إذا لم تجتمع أسباب الأداء في أصوات الحروف ومخارجها ، وإنما التمام الجامع لهذه الأسباب صفاء الصوت ، وتنوع طبقته ، واستقامة وزنه على كل حرف . وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى ، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب ، وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم ، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها ؛ أو بالمدّ ، وهو كذلك طبيعي في

--> ( 1 ) وهذه حالة مطردة يعرفها الناس جميعا ، وما من أعجمي يسمع ترتيل القرآن إن فهمه أو لم يفهمه إلا اعترته رفة للشجا والنظم ، وأحس أن هذه الآيات تتموج في نفسه وتجيش نفسه بها ، مع أنه لا يعتريه من ذلك شيء إذا هو سمع الألحان العربية في الغناء والشعر . وقد لا يجد في الموسيقى ضربا أسخف منها ، لمكان اختلاف الأذواق ، وما تجده ملحدا لا يؤمن باللّه إلا وهو مؤمن بهذا الإعجاز في كتابه حين يسمعه مرتلا من صوت جميل ، كأن النبوة حينئذ تلامسه . وكل من يزعم أن القرآن من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يستطيع البتة أن يشرك مع القرآن كلاما آخر في هذه الخاصة ، فكأنه يقر بمعنى الإعجاز وينكر لفظه ، وما كان الدليل على الحقيقة من لفظ الحقيقة . بل هي لا يدل عليها شيء كثبوت معناها ، وهل اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى .