مصطفى صادق الرافعي

150

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

من مثل هذا يصح في الجواز أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره في موضعه إذا تبدلته منه ، فضلا عن أن يفي به ، وفضلا عن أن يربى عليه ، ولو أدرت اللغة كلها على هذا الموضع . فكأن البلاغة فيه إنما هي وجه من نظم حروفه بخلاف ما أنت واجد من كلام البلغاء ، فإن بلاغته إنما تصنع لموضعها وتبنى عليه ، فربما وفت وربما أخلفت ، ولو هي رفعت من نظم الكلام ثم نزل غيرها في مكانها لرأيت النظم نفسه غير مختلف ، بل لكان عسى أن يصحّ ويجود في مواضع كثيرة من كلامهم ، وأن نعرف له بذلك مزية في توازن حروفه . وائتلاف مخارجها وتناسب أصواتها ، وأن نعرف له بذلك مزية في ومما لا تغني فيه استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا غيرها . لأنه وجه من تأليف الحروف ونسق اللفظ فيها ؛ وأنواع البلاغة إنما هي وجوه التأليف بين معاني الكلمات . فالحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه ، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها ليمسك بها الآية والآيات الكثيرة ، وهذا هو السر في إعجاز جملته إعجازا أبديا ، فهو أمر فوق الطبيعة الإنسانية ، وفوق ما يتسبب إليه الإنسان إذ هو يشبه الخلق الحي تمام المشابهة ، وما أنزله إلا الذي يعلم « السر » في السماوات والأرض . فأنت الآن تعلم أن سر الإعجاز هو في النظم ، وأن لهذا النظم ما بعده ؛ وقد علمت أن جهات النظم ثلاث : في الحروف ، والكلمات ، والجمل ، فههنا ثلاثة فصول تعرفها فيما يلي : الحروف وأصواتها بسطنا في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب حاشية الكلام في الأسباب اللسانية التي جرت عليها الفصاحة العربية ، وكانت معدلا لألسنة القوم بين الاستخفاف والاستثقال ، وبين اللّين في حرف والجسأة في حرف ، وبين نظم مؤتلف ونظم مختلف ، فانتزعوا بها وجوه التأليف والتركيب في ألفاظهم وجملهم على سنن لائح ونسق واضح ، وأفضينا من كل ذلك إلى مخارج حروفهم وصفاتها . بيد أننا لم ننبه ثمة إلى أن هذه المخارج وهذه الصفات إنما أخذ أكثرها من ألفاظ القرآن لا من كلام العرب وفصاحتهم ، لأن هاهنا موضع القول فيه ، فإن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن ، وتألفت لها حروف هذه الألفاظ ، إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب ، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن ، ولا تلوي من دونه حجاب القلب ، حتى لم يكن لمن يسمعه بدّ من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء ، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة ، ولا