مصطفى صادق الرافعي
130
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
والذي نظنه أن كتاب ابن الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة ، كما صنع في سائر كتبه ؛ كالفريد ، والزمرّدة ، وقضيب الذهب ، والمرجان « 1 » فإنها فيما وصفت به ظلمات بعضها فوق بعض ، وكلها اعتراض على الشريعة والنبوة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح ، ولا يقيم وزنها علم راجح « 2 » . وقد ذكر المعرّي هذه الكتب في رسالة الغفران ، ووفى الرجل حسابه عليها ، وبصق على كتبه مقدار دلو من السّجع ! . وناهيك من سجع المعري الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى ! . ومما قاله في التاج ، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلا . . . وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة : أفّ وتف « 3 » وجورب وخفّ . قيل : وما جورب وخف ؟ قالت : وأديان بجهنم ! . وهذا يشير إلى أن الكتاب كذب واختلاق وصرف لحقائق الكلام كما فعلت الكاهنة ؛ وإلا فلو كانت معارضته لنقض التحدي وقد زعم أنه جاء بمثله لما خلت كتب
--> ( 1 ) يخيل إلينا أن ابن الراوندي كان ذا خيال ، وكان فاسد التخيل ، وإلا فما هذه الأسماء وأين هي مما وضعت له ؟ والخيال الفاسد أشد خطرا على صاحبه من الجنون ، لأنه فساد في الدماغ ، ولأنه حديث متوثب ، فما يملك معه الدين ولا العقل شيئا ، وأظهر الصفات في صاحبه الغرور . ( 2 ) كتبنا هذا للطبعة الأولى ثم وقفنا بعد ذلك على أن كتاب ( التاج ) يحتج فيه صاحبه لقدم العالم وأنه ليس للعالم صانع ولا مدبّر ولا محدث ولا خالق . أما كتابه الذي يطعن فيه على القرآن فاسمه ( الدامغ ) قالوا إنه وضعه لابن لاوي اليهودي وطعن فيه على نظم القرآن ، وقد نقضه عليه الخياط وأبو علي الجبائي ، قالوا : ونقضه على نفسه . والسبب في ذلك أنه كان يؤلف لليهود والنصارى الثنوية وأهل التعطيل ، بأثمان يعيش منها ، فيضع لهم الكتاب بثمن يتهددهم بنقضه وإفساده إذا لم يدفعوا له ثمن سكوته . قال أبو عباس الطبري : إنه صنف لليهود كتاب ( البصيرة ) ردا على الإسلام لأربعمائة درهم أخذها من يهود سامرا ، فلما قبض المال رام نقضه ، حتى أعطوه مائة درهم أخرى فأمسك عن النقض ! . أما ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها إلا ما نقله صاحب ( معاهد التخصيص ) قال : اجتمع ابن الراوندي هو وأبو علي الجبائي يوما على جسر بغداد ، فقال له : يا أبا علي ، ألا تسمع شيئا من معارضتي للقرآن ونقضي له ؟ قال الجبائي : أنا أعلم بمخازي علومك وعلوم أهل دهرك ، ولكن أحاكمك إلى نفسك ، فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة وتشاكلا وتلاؤما ونظما كنظمه وحلاوة كحلاوته قال : لا واللّه . قال : قد كفيتني ، فانصرف حيث شئت . ويقال إن ابن الراوندي كان أبوه يهوديا وأسلم ، والخلاف في أمره كثير ، وبلغت مصنفاته مائة كتاب وأربعة عشر كتابا . ( 3 ) الأف : وسخ الأذن ، والتف : وسخ الأنف .