مصطفى صادق الرافعي
127
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
( 5 ) والنّضر بن الحارث ، وهذا ومن يجيء بعده لم يدعوا النبوة ولا الوحي ولكنهم زعموا أنهم يعارضون القرآن ، فلفق النضر هذا شيئا من أخبار الفرس وملوك العجم ، ومخرق بذلك لأنه جاء بأخبار يجهلها العرب . . . ولم يحفل أحد من المؤرخين ولا الأدباء بهذا الرجل ، لحماقته فيما زعم ، وإنما ذكرناه نحن إذ كنا لا نرى الباقين أعقل منه . . . ! . ( 6 ) وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور : زعموا أنه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره « 1 » . وهذا عندنا إنما هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أن كتاب الدرة اليتيمة « 2 » لابن المقفّع هو في معارضة القرآن فكأن الكذب لا يدفع إلا بالكذب ، وإذا قال هؤلاء إن الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوته وفصاحته ، وأنه في ذلك من وزن القرآن وطبقته ، وابن المقفع هو من هو في هذا الأمر ، قال أولئك : بل عارض ومزق واستحيا لنفسه . . . ! . أما نحن فنقول : إن الروايتين مكذوبتان جميعا ، وإن ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة ؛ لا لشيء من الأشياء إلا لأنه من أبلغ الناس . وإذا قيل لك إن فلانا يزعم إمكان المعارضة ويحتج لذلك وينازع فيه ، فاعلم أن فلانا هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين : إما جاهل يصدق في نفسه ، وإما عالم يكذب على الناس ؛ ولن يكون ( فلان ) ثالث ثلاثة ! .
--> ( 1 ) يتناقل المصنفون في كتب البلاغة من المتأخرين بعد القرن الخامس ، عبارة غفل عنها من قبلهم . . . وهي أن ابن المقفع لما عارض القرآن ووصل إلى قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال : هذا ما يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، وترك المعارضة ومزق ما كان اختلقه . وهذه الآية في سورة هود ، فكأن ابن المقفع عارض السور الطوال حتى انتهى إليها : وهو شيء لم يزعمه الملحدة أنفسهم ، إذ قالوا : إن المعارضة كانت بالدرة اليتيمة . وهي أوراق قليلة . ولهذا رأينا أهل التدقيق إذا ساقوا هذا الخبر في كتبهم قالوا : إن ابن المقفع سمع صبيا يقرأ الآية فترك المعارضة ؛ وذهب عن هؤلاء المدققين أن مثل ذلك البليغ لا يأخذ في معارضة القرآن إلا وقد قرأه وتأمله ومرّ بهذه الآية فيه ووقف عندها متحيرا ، فليس يحتاج إلى صبي يسمعها منه ليترك ما اتخذ فيه إن كان إبطال المعارضة موقوفا على سماع الآية . ( 2 ) طبع هذا الكتاب مرارا ، وهو من الرسائل الممتعة ، يعد طبقة من طبقات البلاغة العربية ، ولكنه في المعارضة ليس هناك ، لا قصدا ولا مقاربة ، ونحن لا نرى فيه شيئا لا يمكن أن يؤتى بأحسن منه وما كل ممتع ممتنع . وقال الباقلاني : إنه منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة ، وهذا هو الرأي : فإن ابن المقفع لم يكن إلا مترجما . وكان ينحط إذا كتب ويعلو إذا ترجم ، لأن له في الأولى عقله وفي الثانية كل العقول . . . وفي اليتيمة عبارات وأساليب مسروقة من كلام الإمام علي .