مصطفى صادق الرافعي

124

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وكان ينتهي إلى أمره ويستعين به على تعرف أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعجزاته في العرب ، ليحكيه ويتشبه به ، وما قط عارضه في شيء إلا انقلبت الآية معه وأخزاه اللّه ، وفي تاريخ الطبري من ذلك أشياء لا حاجة لنا بها صحّت أو لم تصح . وقد زعم مسيلمة أن له قرآنا نزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن . . بيد أن قرآنه إنما كان فصولا وجملا ، بعضها مما يرسله ، وبعضها مما يترسل به في أمر إن عرض له ، وحادثة إن اتفقت ، ورأي إذا سئل فيه وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه ، ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان ، لأنه كان يحسب النبوة ضربا من الكهانة ، فيسجع كما يسجعون ، وقد مضى العرب على أن يسمعوا للكهان ويطيعوا ، ووقر ذلك في أنفسهم واستناموا إليه ، ولم يجدوا كلام الكهان إلا سجعا « 1 » فكانت هذه بعض ما استدرجهم به مسيلمة وتأتي إلى أنفسهم منها « 2 » . ومن قرآنه الذي زعمه قوله - أخزاه اللّه - : والمبذرات زرعا ، والحاصدات حصدا ، والذاريات قمحا ، والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا . . . لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ، ريفكم فامنعوه ، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه . . . وقوله : والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ، والشاة السوداء ، واللبن الأبيض ، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون « 3 » . وقوله : الفيل ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وبيل ، وخرطوم طويل . . . وقال الجاحظ في الحيوان عند القول في الضفدع : ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها ، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه يا ضفدع ، بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين . نصفك في الماء ونصفك في الطين ، لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين . . وكل كلامه على هذا النمط واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك ، بل هو مضطرب

--> ( 1 ) لذلك سبب فلسفي يرجع إلى رغبة الكهان في استهواء من يستمع إليهم . ( 2 ) وما خفي هذا الأمر عن بلغاء العرب وحكمائهم . وأنه استعانة على النفس الضعيفة بأقوى ما فيها ، وأنه كسائر ما يأتيه الرجل . تمويه للصدق وتصنع للحمق فيه ، وقد قيل إن الأحنف بن قيس أتى مسيلمة مع عمه ، فلما خرجا من عنده قال له الأحنف : كيف رأيته ؟ قال : ليس بمتنبئ صادق ولا بكذاب حاذق . . . ! . ( 3 ) المذق : مزج اللبن بالماء ، والمجع : اللبن يشرب على التمر ، أو تمر يعجن باللبن ، ولعمر اللّه ما ندري أكان هذا القرآن ينزل على قلب مسيلمة أو على معدته . . . أو كان بين قوم جياع فتأثيره أن يسيل لعابهم . . . ! .