مصطفى صادق الرافعي

118

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء ، ولم يظهر في أمة ظهوره في جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام ، وفي جاهليتهم الثانية من بعده ، حين استفحل أمر الفرق الإسلامية واستحرّ الجدال بينهم ، فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خواصّ واقتحموا تلك الخصومات حتى يبس ما بين بعضهم إلى بعض ، وإن كان ليس بينهم إلا الدين والعقل . فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغه لفظا وأسلوبا ومعنى ، ليجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى امتلكها استطاع أن يصرفها ، وأن يحدث منها ، وكانت رأس أمره وقوام تدبيره ، إذ هي بصبغتها العقلية ومعناها النفسي ؛ وهو لا ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فيما هي قوية به ، بحيث يشعر أهلها بالعجز والضعف والاضطراب ، شعورا لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس والتضريب بين الشك واليقين . ومن طباع النفس التي جبلت عليها ، أنها متى خذلت وكان خذلانها من قبل ما تعدّه أكبر فخرها وأجمل صنعها وأعظم همها وأصابها الوهن في ذلك ، وضربها الخذلان باليأس ، فقلما تنفعها نافعة بعد ذلك أو تجزئها قوة أخرى ؛ وقلما تصنع شيئا دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه ومجاوزة ما لا تستطيع إلى ما تستطيع . فمن ثمّ لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآن من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم ، ومن جهة الكلام الذي هو سيد عملهم ، بل تصدعوا عنه وهم أهل البسالة والبأس وهم مساعير الحروب ومغاويرها ، وهم كالحصى عددا وكثرة ، وليس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا نفسه ، وإلا نفر قليل معه ، لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مفادتهم ونصرهم إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم وكاثرهم وغلبهم على أنفسهم ؛ فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإنّ لها ما يكون للخطبة الطويلة والقصيدة العجيبة في قبيلة بأجمعها ، ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وكأنه في نفسه قبيلة في مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها ، وهذا هو حق الشعور الذي كان شعر به كل مسلم في السرايا والجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح ، حتى نصروا بالرعب من بعيد وقريب ، وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم ، وتعد المراصد لعدوّهم من نفسه ، وتسلبه ما لا يسلبه إلا الموت وحده ، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا ، ويريد أعداؤهم أن يحيوا فيموتوا « 1 » . . . وإلا فأين تلك الشراذم العربية القليلة ، من جيوش الروم

--> ( 1 ) هذا هو أثر القرآن في نفس كل مؤمن به على فهم وبصيرة ، وذلك هو أثر النفس المؤمنة في أعدائها ، وما ضعف المسلمون ولا استكانوا ولا ضربت عليهم الذلة إلا بعد أن شغلتهم الدنيا عن الدين ، واكتفوا من القرآن وفضائله الحربية الاجتماعية التي عزت بها الأمم الأوروبية لهذا العهد وإن لم