جلال الدين السيوطي

7

اعجاز القرآن واسرار التنزيل ( فتح الجليل للعبد الذليل )

مقدمة الطبعة الأولى بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد للّه الذي جعل القرآن كتابه المنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم معجزته الأبدية إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، أنزله للناس كافة ، وحمل في ثنايا إعجازه تحدي العرب بداية ، حيث كانوا يفتخرون ببلاغتهم وفصاحتهم ، التي لم يجارهم فيها آنذاك أحد من الأمم . فجاء القرآن ، معجزة النبي ، بلغتهم ، ضاربا بلاغتهم وفصاحتهم التي لم تستطع أن تصمد أمام هبّة نسمة خفيفة من نسائم إعجازه ، وبلاغته وفصاحته ، وقد شهد على ذلك أشد أعداء الرسول عداوة ، وأكثرهم لججا ، عندما كان يستمع إليه من الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن عليه لطلاوة » . ومضت السنون ، وأخذ المسلمون يتعهدون القرآن بالتصنيف في علومه ، وبنوا كلّ علوم لغتهم عليه ، خدمة له ، لفهمه وتدبر معانيه ، فقعّدوا للغتهم نحوا وصرفا ، وبيانا ومعاني وبديعا ، مستلهمين أمثلتهم من كلماته ، مستشهدين على قواعدهم من آياته . وأخذ العلماء يستنبطون علومهم من روائع كلمه ، وفرائد معانيه ، فأخذوا يطبقون ويعلّمون علوم لغتهم من بيانه ، ولا نزال في مدارسنا نستمد من معينه الذي لا ينضب ، ومنهله الذي لا يجف ، فالقرآن أعذب مواردنا وأصفاها وأكثرها ريّا . وتسابق علماؤنا في التصنيف ، يمدّهم القرآن ويرفدهم في كل ما يصنّفون ، وكان من تصانيفهم استنباط ما في آياته من بلاغة ، بيانا وبديعا ومعاني . ومن هنا جاءت هذه الرسالة ، الصغيرة في حجمها ، نبعا فيّاضا يكاد يجمع فيها مصنفها ما اخترعه العرب من مصطلحات بلاغية ، في آية واحدة من آياته ، أعمل المصنف فكره ووجدانه وذوقه الرفيع ؛ ليصل إلى عشرين ومائة نوع من أنواع البلاغة العربية ، في هذه الآية . ولم يكن السيوطي رحمه اللّه أول من استخرج ذلك ، فقد استخرج ابن أبي الإصبع واحدا وعشرين ضربا من البديع من آية لا يزيد عدد كلماتها على سبع عشرة لفظة ،