جلال الدين السيوطي

33

اعجاز القرآن واسرار التنزيل ( فتح الجليل للعبد الذليل )

وفي « أصحاب النار » « 1 » وفي إطلاق « الظلمات » « 2 » على الكفر ، و « النور » على الإيمان « 3 » في الموضعين « 4 » . وفيها التقديم والتأخير « 5 » في ثلاثة مواضع ، أحدها : أنه قدم في الجملة الأولى الجلالة ،

--> ( 1 ) مجاز مرسل علاقته على اعتبار ما يكون . ( 2 ) هنا استعارة تصريحية حيث شبه الكفر بالظلمات ، حذف المشبه ، وصرح بالمشبه به ، بجامع عدم الاهتداء في كلّ . ( 3 ) هنا استعارة تصريحية أيضا ، حيث شبه الإيمان بالنور ، حذف المشبه وصرح بالمشبه به بجامع الهداية في كل . ( 4 ) لذلك قال في البحر المحيط : 2 / 283 : « الظلمات هنا الكفر ، والنور الإيمان » ، وانظر التفسير الكبير للرازي : 7 / 20 . ( 5 ) التقديم والتأخير من سنن العرب وأساليبهم ، فهم يقدمون الكلام وهو في المعنى مؤخر ، وتأخيره ، وهو في المعنى مقدّم ، نحو قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ( 1 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) [ الغاشية : 3 ، 2 ، 1 ] . الغاشية : يوم القيامة ، خاشعة في يوم القيامة ، عاملة ناصبة في الحياة الدنيا . والحياة الدنيا سابقة ليوم القيامة ، فقوله : « عاملة ناصبة » سابق لقوله خاشعة . المعجم : 2 / 683 . وهنا : يجوز في العربية : وليّ الذين آمنوا اللّه ، ويجوز : الطاغوت أولياء الذين كفروا . جاء في الصاحبي : 246 : « من سنن العرب تقديم الكلام وهو في المعنى مؤخر ، وتأخيره وهو في المعنى مقدّم ، كقول ذي الرمة : « ديوانه : 109 » : [ من البسيط ] ما بال عينك منها الماء ينسكب أراد : ما بال عينك ينسكب منها الماء ، وفي القرآن الكريم منه كثير ، كقوله تعالى : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) [ طه : 129 ] فأجل معطوف على كلمة » . جاء في الإيضاح : 135 - 154 : « وأما ما تقديمه ( المسند إليه ) فلكون ذكره أهم ، إما لأنه الأصل ، وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع . . . وأما تأخيره فلاقتضاء تقديم المسند ، وفي علوم البلاغة : 92 : « الألفاظ قوالب المعاني ، فيجب أن يكون ترتيبها الوضعي بحسب ترتيبها الطبعي ، ومن البين أن رتبة -