سامي أحمد الموصلي
26
الاعجاز العلمى في القرآن
البشر ؟ وأين علم اللّه من علم البشر ؟ فالأساس الذي اعتمدوه في أحاديثهم عن القرآن ، وما استخرجوه واستنبطوه منه يعود إلى هذا اليقين والإيمان بصدقه قبل البرهنة عليه ، وذلك لأنه من اللّه ومن علم اللّه ومن كلام اللّه ، فخالق الكون والخلق أدرى بما خلق أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك / 14 ] ولعل خير ما يستشهدون به على جميع ما يذكروه من علوم القرآن أنه هو نفسه قال : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان / 27 ] . فمن يؤمن بالقرآن يؤمن بهذه الآية ، ومن يؤمن بهذه الآية فليبالغ ما شاء ، فلن يصل إلى حدود علم اللّه ، لأن علم اللّه مطلق وجميع المبالغات المفهومة وغير المفهومة هي نسبية لعقل الإنسان المحدود ، ولا شك أن المعترضين والمحتجين على تفسير القرآن علميا هم ناس مؤمنون أيضا ولا يختلفون عن أن علم اللّه هو فوق البشر ، وأن كلام اللّه المعبر عن علمه في القرآن هو أبعد من أن يحيط به عقل ، إلا أن الاختلاف بينهم وبين المؤيدين للتفسير العلمي يكمن حول المناسبة والالتقاء الحقيقي بين كل آية وكل علم ، فهل هذه الآية قصد منها كذا ، وتدل على كذا حقيقة علمية ، أم أنها لا تدل على ذلك ! وهل القرآن فيه ما يشير إلى أبواب ومبادئ العلوم في كذا آية ، أم أن هذه الآية تفسيرها أسباب النزول والمعاني المحددة والمشخصة فيها ، كما فسّرها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو بعض الصحابة والتابعين ؟ هنا مكمن الخلاف ، وهذه مسألة قادت إلى سؤال كبير طرحه العقاد على نفسه فيقول « 1 » « هل معنى ذلك أن الكتب المقدسة لا تفهم إلا كما فهمها المخاطبون بها لأول مرة ؟ أو معناه أنها تفهم في كل عصر حسب النظريات العلمية التي انتهى إليها أبناؤه ؟ ورغم أن العقاد من المعارضين للتفسير العلمي للقرآن إلا أنه حينما يجابه هذا السؤال يقول بأنه لا محل للخلاف في أن الإنسان العصري مطالب بفهم كتبه المقدسة ، وفهم ما توجبه على ضميره من الفرائض والشعائر والواجبات ، والفهم المطلوب من المكلف المخاطب يقتضي أن المسلم مأمور في القرآن بالتفكير والتأمل والتدبّر والاستقلال بذلك عن الآباء والأجداد ، وأخبار الزمن القديم وأئمة الدين ، وليس الخطاب مقصورا على العرب الأميين ، ولا هو مقصور على أبناء القرن العشرين ، ولكنه عام مطلق لكل عصر وكل زمان ، إذ ليس من المعقول أن يفكر الإنسان على نسق واحد في جميع العصور . ومع هذا فالعقاد يؤكد أن التفكير
--> ( 1 ) الفكر الديني في مواجهة العصر - د . عفت محمّد شرقاوي ، ص 427 .