سامي أحمد الموصلي
19
الاعجاز العلمى في القرآن
أنزله اللّه على رسوله ليكون حجة له ودستورا للناس ، ليس من مقاصده الأصلية أن يقرّر نظريات علميّة في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وحركات الكواكب وغيرها من الكائنات ، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود اللّه ووحدانيته وتذكير الناس بآلائه ونعمه ، ونحو هذا في الأغراض ، جاء بآيات نفهم منها سننا كونية ونواميس طبيعية كشف العلم الحديث ، في كل عصر ، براهينها ، ودل على أن الآيات التي لفتت إليها من عند اللّه ، لأن الناس ما كان لهم بها من علم وما وصلوا إلى حقائقها ، وإنما كان استدلالهم بظواهرها ، فلما كشف البحث العلمي سنّة كونية ، وظهر أنّ آية في القرآن أشارت إلى هذه السنة قام برهان جديد على أن القرآن من عند اللّه ، وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد اللّه سبحانه بقوله في سورة فصلت : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت / 52 ، 53 ] » . وهنا إعجاز آخر لم يطرأ على البال . فإذا كان القرآن هو كتاب هداية واعتبار قد أشار في مضامينه عرضا إلى سنن الكون ، فجاءت كل اكتشافات العالم المعاصر تؤيدها وتدعمها ، فكيف لو اتجه حقا لأن يكون كتاب علم واختبار ؟ لا شك أنه سيكون أكبر من أن يسعه العقل البشري ، ولأعطى اليقين والحقيقة في كل شيء مباشرة دونما حاجة إلى توسطات التجارب ووسائل الاحتمالات والإحصاءات ، وسيكون هو مقياس الحقائق ذاتها لأنه أعرف بها منها بنفسها ، لما ذا ؟ لأن قائل القرآن هو خالق الأكوان مجال العلم والمعرفة . يقول شعراوي « 1 » : « إن القرآن كلام اللّه ، والكون خلق اللّه ، وحقائق الكون الموجودة فيه والتي خلقها اللّه لا بد أن تنسجم مع كلام اللّه فلا يكون هناك تضارب ، فإن حصل ما ظاهره التضارب فإما إنك فهمت حقيقة قرآنية وهي ليست حقيقة قرآنية ، وليس هذا المراد من الحقيقة القرآنية ، وإما أنك أتيت بشيء ليس حقيقة علمية وقلت هو حقيقة علمية ، ولكن إذا تأكدنا أن هذه حقيقة قرآنية - وهذا هو الفرق - وهذه حقيقة علمية ، فلا بد أن يلتقيا لأن قائل القرآن هو خالق الكون » . بل إن بعض المفسرين والباحثين يوحّدون في المعنى بين الكون المنظور ، وهو الوجود ، والكون المقروء ، وهو القرآن ، ويعتبرون أن الكون المنظور هو أدق تفسير للكون المقروء وليس العكس ، يقول د . محسن عبد الحميد ، متحدثا عن
--> ( 1 ) هذا هو الإسلام - محمّد متولي شعراوي ، ص 204 .