سامي أحمد الموصلي
16
الاعجاز العلمى في القرآن
اختصاص وتقدم في مجاله الذي يبدع فيه ويفخر ، يقول ابن تيمية « 1 » : « لما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا إلى جميع الثقلين جنّهم وإنسهم ، عربهم وعجمهم ، وهو خاتم الأنبياء لا نبي بعده ، كان من نعمة اللّه على عباده ، ومن تمام حجته على خلقه ، أن تكون آيات نبوّته وبراهين رسالته معلومة لكل الخلق الذين بعث إليهم ، وقد يكون عند هؤلاء من الآيات والبراهين على نبوته ما ليس عند هؤلاء ، وكان يظهر لكل قوم من الآيات النفسية والأفقية ما يبين به أن القرآن حق ، كما قال تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت / 52 ، 53 ] . أخبر سبحانه أنه سيري العباد الآيات في أنفسهم وفي الآفاق حتى يتبين لهم أن القرآن حق ، فإن الضمير عائد إليه ، إذ هو الذي تقدم ذكره كما قال قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [ فصلت / 52 ] . ورغم أن التحدي الذي جاء به القرآن أن نزل إلى حدود أن طلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله ، وقد تكون السورة ثلاث آيات فقط ، مثل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر / 1 ] ، ورغم أنه كانت دواعي العرب وغيرهم على المعارضة تامة ، رغم كل هذا فقد انتفت المعارضة ، وعلم عجز جميع الأمم عن معارضته ، وهذا برهان آخر يعلم به صدق هذا الخبر الذي هو بنفس الوقت آية لنبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » . أما تعدد وجوه إعجازه عند الأقدمين فيظهر بأشكال مختلفة ومتعدّدة ومتنوعة ، وكل شكل له وجه إعجازي قائم بنفسه ، ولكي لا نطيل نشير إلى هذه إشارة عابرة وإلا فكتب الإعجاز كثيرة ، من ذلك ما ذكره ابن تيمية من أن « 2 » « كونه معجزا يعلم بأدلّة متعدّدة ، والإعجاز فيه من وجوه متعدّدة ، فتنوّعت دلائل إعجازه ، وتنوّعت وجوه إعجازه ، وكل وجه من الوجوه ، فهو دليل إعجازه وهذه جمل لبسطها تفصيل طويل ، ولهذا قال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت / 50 ، 51 ] فهو كاف في الدّعوة والبيان وهو كاف في الحجج والبرهان » . إذن ، فمجرد إنزال القرآن على الرسول هو معجزة ، لأن ما في القرآن من مضامين
--> ( 1 ) تفسير ابن تيمية - ج 2 ، ص 139 . ( 2 ) المصدر السابق ، ج 2 ، ص 142 .