ابن الأثير

82

أسد الغابة ( دار الفكر )

عائشة أم المؤمنين قالت : « أوّل ما بدئ به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة ، النوم ، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق [ ( 1 ) ] الصبح » . . . وذكر الحديث ، قال - يعنى جبريل ، عليه السلام - : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) فرجع بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة رضى اللَّه عنها فقال زمّلوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، وقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي : فقالت خديجة : كلا ، واللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا ، إنك لتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ [ ( 2 ) ] ، وتكسب المعدوم [ ( 3 ) ] وتقرى [ ( 4 ) ] الضّيف ، وتعين على نوائب الحق . وانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، ويكتب الكتاب العبراني ، ويكتب من الإنجيل ما شاء اللَّه أن يكتب ، فقالت له خديجة : يا ابن عمّ ، اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فقال : يا ليتني فيها جذعا [ ( 5 ) ] ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك [ ( 6 ) ] . أخبرنا أبو جعفر بإسناده إلى يونس ، عن ابن إسحاق قال : وكانت خديجة أوّل من آمن باللَّه ورسوله ، وصدّق بما جاء به ، فخفّف اللَّه بذلك عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، لا يسمع شيئا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه إلا فرّج اللَّه عنه بها إذا رجع إليها تثبّته وتخفّف عنه ، وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس ، رضى اللَّه عنها [ ( 7 ) ] . قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير : أنه حدّث ، عن خديجة أنها قالت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : يا ابن عم ، هل تسطيع أن تخبرني بصاحبك الّذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال : نعم . فبينا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عندها إذ جاءه جبريل ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : هذا جبريل قد جاءني . فقالت : أتراه الآن ؟ قال : نعم . قالت : أجلس على شقّى الأيسر . فجلس ، فقالت : هل تراه الآن ؟ قال : نعم . قالت : فاجلس على شقي الأيمن . فجلس ، فقالت : هل تراه الآن ؟ قال : نعم . قالت فتحوّل فاجلس في حجري . فتحول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فجلس ، فقالت : هل

--> [ ( 1 ) ] أي : ضوؤه وإنارته . [ ( 2 ) ] الكل : الثقل من كل ما يتكلف . [ ( 3 ) ] أي : تعطى الناس الشيء المعدوم عندهم ، وتوصله إليهم . [ ( 4 ) ] أي : تطعمه . [ ( 5 ) ] الجذع : الشاب ، يقول : يا ليتني كنت شابا عند ظهور النبوة ، حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها . [ ( 6 ) ] البخاري ، بده الوحي : 1 / 3 - 4 . [ ( 7 ) ] سيرة ابن هشام : 1 / 240 .