ابن الأثير

55

أسد الغابة ( دار الفكر )

فصاح أبو جندل بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أردّ إلى المشركين يفتنونى في ديني ؟ ! وقد كانوا خرجوا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لا يشكون في الفتح ، فلما صنع أبو جندل ما صنع ، وقد كان دخل - لما رأوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حمل على نفسه في الصلح ورجعته - أمر عظيم ، فلما صنع أبو جندل ما صنع ، زاد الناس شرّا على ما بهم ، فقال رسول اللَّه لأبى جندل : أبا جندل ، اصبر واحتسب ، فإنه اللَّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا . وإنا صالحنا القوم ، وإنا لا نغدر . فقام عمر بن الخطاب يمشى إلى جنب أبى جندل وأبوه بتلّه ، وهو يقول : أبا جندل ، اصبر فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب . وجعل عمر يدنى منه قائم السيف ، فقال عمر : رجوت أن يأخذه فيضرب به أباه ، فضنّ بأبيه [ ( 1 ) ] . وقد ذكرنا في ترجمة أبي بصير حال أبى جندل ، فإن أبا جندل لما أخذه أبوه هرب ثانية من أبيه ، ولحق بأبي بصير . قال أبو عمر : وقد غلطت طائفة ألفت في الصحابة في أبى جندل ، أنّ اسمه عبد اللَّه ، وأنه الّذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر ، فانحاز من المشركين إلى المسلمين ، وشهد بدرا مع رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وهذا غلط فاحش ، وعبد اللَّه ليس بأبي جندل ، ولكنه أخوه ، واستشهد عبد اللَّه باليمامة مع خالد في خلافة أبى بكر الصدّيق ، وأبو جندل لم يشهد بدرا ولا شيئا من المشاهد قبل الفتح ، لأن أباه كان قد منعه ، كما ذكرناه ، قال موسى بن عقبة : لم يزل أبو جندل ابن سهيل وأبوه مجاهدين بالشام حتى ماتا ، يعنى في خلافة عمر . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريح قال : أخبرت أنّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل ابن سهيل ، وضرار بن الخطاب ، وأبا الأزور ، وهم من أصحاب النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قد شربوا الخمر ، فقال أبو جندل : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ ( 2 ) ] . . . الآيات كلها ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر : إن أبا جندل خصمنى بهذه الآية . فكتب إليه عمر : الّذي زيّن لأبى جندل الخطيئة زيّن له الخصومة ، فاحددهم . فقال أبو الأزور : أتحدوننا ؟ قال أبو عبيدة : نعم . قال أبو الأزور :

--> [ ( 1 ) ] انظر سيرة ابن هشام : 2 / 318 - 319 . [ ( 2 ) ] سورة المائدة ، آية : 93 .