ابن الأثير
100
أسد الغابة ( دار الفكر )
وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم ، قديم الإسلام . يقال : أسلم بعد أربعة وكان خامسا ، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها ، حتى قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم المدينة . أخبرنا غير واحد بإسنادهم إلى محمد بن إسماعيل : حدثنا عمرو بن عباس ، أنبأنا عبد الرحمن بن مهدىّ ، حدثنا المثنى ، عن أبي جمرة [ ( 1 ) ] ، عن ابن عباس قال : لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء ، واسمع من قوله ثم ائتني . فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله ، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، وكلاما ما هو بالشعر . فقال : ما شفيتني مما أردت . فتزوّد وحمل شنّة [ ( 2 ) ] له فيها ماء ، حتى قدم مكة ، فأتى المسجد ، فالتمس النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو لا يعرفه ، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل ، اضطجع [ ( 3 ) ] فرآه عليّ ، فعرف أنه غريب ، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد ، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى أمسى ، فعاد إلى مضجعه فمر به عليّ فقال : ما آن [ ( 4 ) ] للرجل أن يعلم منزله ؟ فأقامه [ ( 5 ) ] فذهب به معه ، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء ، حتى [ إذا ] [ ( 6 ) ] كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه [ عليّ معه [ ( 7 ) ] ] ثم قال : ألا تحدثني ما الّذي أقدمك ؟ قال : إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّى فعلت . ففعل ، فأخبره قال : إنه حق ، وإنه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فإذا أصبحت فاتبعني ، فإنّي إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء ، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي . ففعل ، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ودخل معه ، فسمع من قوله ، وأسلم مكانه . فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى . قال : والّذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم . فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته . : أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأن محمدا عبده ورسوله . فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه ، وأتى العباس فأكبّ عليه
--> [ ( 1 ) ] في المطبوعة والمصورة : « حمزة » . والصواب عن الصحيح ، وهو نصر بن عمران ، انظر الخلاصة . [ ( 2 ) ] الشنة : قربة خلق ، وهو أشد تبريدا للماء من الجديدة . [ ( 3 ) ] كذا في المطبوعة والمصورة وإحدى نسخ الصحيح . وفي نسخ أخرى : « فاضطجع » . [ ( 4 ) ] في الصحيح : « أما نال » . ، أي : حان ودنا . وما في مسلم يوافق ما في المصورة . [ ( 5 ) ] أي : أما حان أن يكون له منزل معين يسكنه ؟ أو : أراد دعوته إلى منزله . [ ( 6 ) ] ما بين القوسين عن الصحيح . ولفظ البخاري : « حتى إذا كان اليوم الثالث فعاد على مثل ذلك » ، وما في مسلم يوافق ما في أسد الغابة . [ ( 7 ) ] ما بين القوسين عن مسلم .