ابن الأثير
705
أسد الغابة ( دار الفكر )
وقال عمرو حين أسلم ، وعرف من اللَّه ما عرف ، وهو يذكر صنمه ذلك ، وما أبصره من أمره ، ويشكر اللَّه الّذي أنقذه من العمى والضلال [ ( 1 ) ] . تاللَّه لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن أفّ لمصرعك إلها مستدن [ ( 2 ) ] * الآن فتّشناك [ ( 3 ) ] عن سوء الغبن فالحمد للَّه العليّ ذي المنن * الواهب الرّزاق وديّان الدّين [ ( 4 ) ] هو الّذي أنقذنى من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن [ ( 5 ) ] وقال ابن الكلبي : كان عمرو بن الجموح آخر الأنصار إسلاما ، ولما ندب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الناس إلى بدر ، أراد الخروج معهم ، فمنعه بنوه بأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لشدّة عرجه . فلما كان يوم أحد قال لبنيه : منعتموني الخروج إلى بدر ، فلا تمنعوني الخروج إلى أحد ! فقالوا : إن اللَّه قد عذرك . فأتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، إن بنىّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، واللَّه إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ! فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أما أنت فقد عذرك اللَّه ، ولا جهاد عليك ، وقال لبنيه : لا عليكم أن لا نمنعوه ، لعل اللَّه أن يرزقه الشهادة . فأخذ سلاحه وولّى وقال : اللَّهمّ ارزقني الشهادة ولا تردّنى إلى أهلي خائبا . فلما قتل يوم أحد جاءت زوجه هند بنت عمرو ، عمة جابر بن عبد اللَّه ، فحملته وحملت أخاها عبد اللَّه ابن عمرو بن حرام ، فدفنا في قبر واحد ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : والّذي نفسي بيده لقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته . وقيل : إن عمرو بن الجموح كان له أربعة بنين يقاتلون مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وأنه حمل يوم أحد هو وابنه خلّاد على المشركين حين انكشف المسلمون ، فقتلا جميعا . أخرجه الثلاثة .
--> [ ( 1 ) ] القرن - بفتحتين - : الحبل . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : « يستدن » والمثبت عن سيرة ابن هشام ، وتفسير ابن كثير ، الآية 192 من سورة الأعراف : 3 / 533 بتحقيقنا ، ومعنى : « مستدن » ، من السدانة ، وهي خدمة البيت وتعظيمه ، ينظر الروض الأنف للسهيلى : 1 / 23 [ ( 3 ) ] في المطبوعة : « فلشناك » . والمثبت عن السيرة . [ ( 4 ) ] قال السهيليّ في الروض 1 / 280 : « وقوله « ديان الدين » ، الدين : جمع دينه ، وهي العادة ، ويقال لها : دين أيضا ، قال ابن الطثرية ، واسمه يزيد : أرى سبعة يسعون للوصل كلهم * له عند ليلى دينة يستدينها فألقيت سهمي بينهم حين أوخشوا * فما صار لي في القسم إلا ثمينها ويجوز أن يكون أراد بالدين : الأديان ، أي : هو ديان أهل الأديان ، ولكن جمعها على الدين ، لأنها ملل ونحل » . [ ( 5 ) ] ينظر سيرة ابن هشام : 1 / 452 ، 453 .