ابن الأثير

673

أسد الغابة ( دار الفكر )

حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا ، فلمّا ظنّ العلج أنّه مأخوذ نحر نفسه ، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه ، فمن يلي عمر ، فقد رأى الّذي أرى ، وأما نواحي المسجد فإنّهم لا يدرون ، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون : « سبحان اللَّه ، سبحان اللَّه » فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ، فلمّا انصرفوا قال : يا بن عباس ، انظر من قتلني . فجال ساعة ، ثمّ جاء المسجد فقال : غلام المغيرة بن شعبة . قال : الصّنع ؟ قال : نعم . قال : قاتله اللَّه ! لقد أمرت به معروفا ! الحمد للَّه الّذي لم يجعل منيّتى بيد رجل يدّعى الإسلام ، قد كنت أنت وأبوك تحبّان أن يكثر العلوج بالمدينة - وكان العبّاس أكثرهم رقيقا - فقال : إن شئت فعلت ؟ أي : إن شئت قتلنا فقال : كذبت ! بعد ما تكلّموا بلسانكم ، وصلّوا قبلتكم وحجّوا حجكم . واحتمل إلى بيته ، فانطلقنا معه ، وكأنّ الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، فقائل يقول : لا بأس وقائل يقول : أخاف عليه . فأتى بنبيذ فشربه ، فخرج من جوفه . ثمّ أتى بلبن فشربه ، فخرج من جوفه . فعرفوا أنّه ميت . فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه ، وجاء غلام [ ( 1 ) ] شاب فقال : أبشر - يا أمير المؤمنين - ببشرى اللَّه لك ، من صحبة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وقدم في الإسلام ما قد علمت ، ثمّ وليت فعدلت ، ثمّ شهادة . قال : وددت أن ذلك كفافا ، لا عليّ ولا لي . فلمّا أدبرا إذا إزاره يمسّ الأرض ، قال : ردوا عليّ الغلام ، قال : يا بن أخي ، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك ، وأتّقى لربك ، يا عبد اللَّه ابن عمر ، انظر ما عليّ من الدّين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه - قال : إن وفي له مال آل عمر فأده [ ( 2 ) ] من أموالهم ، وإلّا فسل في بنى عدي ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدّهم إلى غيرهم ، فأدّ عني هذا المال ، وانطلق إلى عائشة أمّ المؤمنين فقل لها : يقرأ عليك عمر السّلام - ولا تقل « أمير المؤمنين » فإنّي لست اليوم للمؤمنين أميرا - وقل : يستأذن عمر ابن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه . فسلم واستأذن ، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكى ، فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السّلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه . فقالت : كنت أريده لنفسي ، ولأوثرن به اليوم على نفسي . فلمّا أقبل قيل : هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء . قال : ارفعوني . فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك ؟ قال . الّذي تحب ، قد أذنت . قال : الحمد للَّه ، ما كان شيء أهم إلى من ذلك ، فإذا أنا قبضت فاحملوني ، ثم سلّم فقل :

--> [ ( 1 ) ] في الصحيح : « وجاء رجل شاب » . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : « فادوه » . والمثبت عن الصحيح .