ابن الأثير

646

أسد الغابة ( دار الفكر )

في دار في أصل الصفا ، فلقيه النّحام - وهو نعيم بن عبد اللَّه بن أسيد ، وهو أخو بنى عدي ابن كعب ، قد أسلم قيل ذلك ، وعمر متقلد سيفه - فقال : يا عمر ، أين تريد ؟ فقال : أعمد إلى محمد الّذي سفّه أحلام قريش ، وشتم آلهتهم ، وخالف جماعتهم . فقال النحام : واللَّه لبئس الممشى مشيت يا عمر ! ولقد فرّطت وأردت هلكة عدىّ بن كعب ! أو تراك تفلت من بني هاشم وبنى زهرة وقد قتلت محمدا ؟ فتحاورا حتى ارتفعت أصواتهما ، فقال له عمر : إني لأظنك قد صبوت ، ولو أعلم ذلك لبدأت بك ! فلما رأى النحّام أنه غير منته قال : فإنّي أخبرك أن أهلك وأهل ختنك قد أسلموا ، وتركوك وما أنت عليه من ضلالتك . فلما سمع عمر تلك يقولها قال : وأيّهم ؟ قال : ختنك وابن عمّك [ ( 1 ) ] وأختك . فانطلق عمر حتى أتى أخته ، وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا أتته طائفة من أصحابه من ذوى الحاجة ، نظر إلى أولى السعة ، فيقول : عندك فلان . فوافق ذلك ابن عمّ عمر وختنة - زوج أخته - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، فدفع إليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خباب بن الأرت ، وقد أنزل اللَّه تعالى : طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [ ( 2 ) ] . وذكر نحو ما تقدم ، وفيه زيادة ونقصان . قال ابن إسحاق : فقال عمر عند ذلك - يعنى إسلامه : واللَّه لنحن بالإسلام أحق أن نبادى [ ( 3 ) ] منا بالكفر ، فليظهرنّ بمكة دين اللَّه ، فإن أراد قومنا بغيا علينا ناجزناهم ، وإن قومنا أنصفونا قبلنا منهم . فخرج عمر وأصحابه فجلسوا في المسجد ، فلما رأت قريش إسلام عمر سقط في أيديهم . وقال ابن إسحاق : حدثني نافع ، عن ابن عمر قال : لما أسلم عمر بن الخطاب قال : أيّ أهل مكة أنقل للحديث ؟ فقالوا : جميل بن معمر . فخرج عمر وخرجت وراء أبى ، وأنا غليّم أعقل كلّ ما رأيت ، حتى أتاه فقال : يا جميل هل علمت أنى أسلمت ؟ فو اللَّه ما راجعه الكلام حتى قام يجرّ رداءه ، وخرج عمر يتبعه ، وأنا مع أبي ، حتى إذا قام على باب مسجد الكعبة ، صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، إن عمر قد صبأ . فقال عمر : كذبت ! ولكني أسلمت .

--> [ ( 1 ) ] يعنى : سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، فهو ابن عم عمر ، رضى اللَّه عنه . وزوج أخته فاطمة . وقد مضت ترجمته برقم 2075 : 2 / 387 . [ ( 2 ) ] ينظر سيرة ابن هشام : 1 / 343 - 345 . [ ( 3 ) ] أحق أن نبادى : أي نظهره ونعلنه على الناس .