ابن الأثير

617

أسد الغابة ( دار الفكر )

أبى طالب . فقال . واللَّه ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل على ، وقد أعطيتك ما سألت . ولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي . فأعلمه ما يريد ، ودعاه إلى أن يكون معه ، فأجابه إلى ذلك . وظل ابن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى يطلع الفجر ، فقال له الأشعث : فضحك الصبح . فقام ابن ملجم ، وشبيب بن بجرة ، فأخذا أسيافهما ، ثم جاءا حتى جلسا مقابل السّدّة التي يخرج منها على - قال الحسن بن علي : فأتيته سحيرا ، فجلست إليه فقال : إني بت الليلة أوقظ أهلي ، فملكتني ، عيناي وأنا جالس ، فسنح لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقلت : يا رسول اللَّه ، ما لقيت من أمتك من الأود واللّدد فقال لي : ادع اللَّه عليهم . فقلت : اللَّهمّ أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا لهم منى . ودخل ابن التّيّاح المؤذن على ذلك فقال : « الصلاة » ، فقام يمشى ابن التياح بين يديه وأنا خلفه ، فلما خرج من الباب نادى : « أيها الناس ، الصلاة الصلاة » ، كذلك كان يصنع كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس فاعترضه الرجلان . فقال بعض من حضر : ذلك بريق السيف ، وسمعت قائلا : « يقول اللَّه الحكم يا علي لا لك » ثم رأيت سيفا ثانيا فضربا جميعا ، فأما سيف ابن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه وأما سيف شبيب فوقع في الطاق ، فسمع على يقول : « لا يفوتنكم الرجل » . وشدّ الناس عليهما من كل جانب ، فأما شبيب فأفلت ، وأخذ ابن ملجم فأدخل على عليّ ، فقال : أطيبوا طعامه ، وألينوا فراشه ، فإن أعش فأنا ولىّ دمي : عفو أو قصاص ، وإن مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين . فقالت أم كلثوم بنت عليّ : يا عدوّ اللَّه ، قتلت أمير المؤمنين ! قال : ما قتلت إلا أباك . قالت : واللَّه إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس . قال : فلم تبكين إذا ثم قال : واللَّه لقد سممته شهرا - يعنى سيفه - فإن أخلفنى أبعده اللَّه وأسحقه . وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب على ، فقال : أي بنى ، انظر كيف أصبح أمير المؤمنين ؟ فذهب فنظر إليه ، ثم رجع فقال : رأيت عينيه داخلتين في رأسه . فقال الأشعث : عيني دميغ [ ( 1 ) ] ورب الكعبة . قال : ومكث عليّ يوم الجمعة ويوم السبت وبقي ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من شهر رمضان من سنة أربعين ، وتوفى رضوان اللَّه عليه ، وغسّله الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر ، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص .

--> [ ( 1 ) ] يقال : « رجل دميغ ومدموغ » إذا خرج دماغه .