ابن الأثير
529
أسد الغابة ( دار الفكر )
وهو ممن أرسلته قريش إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم يوم الحديبيّة ، فعاد إلى قريش وقال لهم : « قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها » . أخبرنا أبو جعفر بن السمين بإسناده إلى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما انصرف عن ثقيف اتّبع أثره عروة بن مسعود بن معتّب ، فأدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم ، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، كما يتحدث قومه : إنهم قاتلوك . وعرف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن فيهم نخوة بالامتناع [ ( 1 ) ] الّذي كان منهم ، فقال له عروة : يا رسول اللَّه ، أنا أحب إليهم من أبصارهم . وكان فيهم محبّبا مطاعا ، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام ، ورجا [ ( 2 ) ] أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم ، فلما أشرف لهم على علّيّة [ ( 3 ) ] وقد دعاهم إلى الإسلام ، وأظهر لهم دينه ، رموه بالنّبل من كل وجه ، فأصابه سهم فقتله . وتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم ، يقال له : « أوس بن عوف » أحد بنى سالم بن مالك ، وتزعم الأحلاف أنه قتل رجل منهم ، من بنى عتّاب بن مالك ، يقال له : « وهب بن جابر » ، فقيل لعروة : ما ترى في دمك ، فقال : كرامة أكرمني اللَّه بها ، وشهادة ساقها اللَّه إليّ ، فليس فىّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللَّه مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قبل أن يرحل عنكم ، فادفنوني معهم . فدفنوه معهم ، فيزعمون أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال فيه : إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه [ ( 4 ) ] . وقال قتادة في قوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، [ ( 5 ) ] قالها الوليد بن المغيرة المخزومي أبو خالد قال : لو كان ما يقول محمد حقا أنزل القرآن عليّ ، أو على عروة بن مسعود الثقفي . قال « والقريتان » : مكة والطائف [ ( 6 ) ] . وكان عروة يشبه بالمسيح صلى اللَّه عليه وسلم في صورته . روى عنه حذيفة بن اليمان أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه فإنّها تهدم
--> [ ( 1 ) ] في سيرة ابن هشام 2 / 537 : « نخوة الامتناع » . [ ( 2 ) ] في سيرة ابن هشام : « رجاء » . [ ( 3 ) ] العلية - بكسر العين وضمها - : « الغرفة . » [ ( 4 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 537 ، 538 . [ ( 5 ) ] سورة الزخرف ، آية : 31 . [ ( 6 ) ] ينظر تفسير ابن كثير ط الحلبي : 4 / 126 ، 127 .