ابن الأثير

285

أسد الغابة ( دار الفكر )

حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن حبة بن جوين ، عن علي قال : كنا عنده جلوسا ، فقالوا : ما رأينا رجلا أحسن خلقا ، ولا أرفق تعليما ، ولا أحسن مجالسته ، ولا أشد ورعا ، من ابن مسعود . قال على : أنشدكم اللَّه أهو الصدق من قلوبكم ؟ قالوا : نعم . قال : اللَّهمّ اشهد أنى أقول مثل ما قالوا وأفضل [ ( 1 ) ] . قال أبو وائل : لما شقّ عثمان رضى اللَّه عنه المصاحف ، بلغ ذلك عبد اللَّه فقال : لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب اللَّه ، وما أنا بخيرهم ، ولو أنى أعلم أن أحدا أعلم بكتاب اللَّه منى تبلّغنيه الإبل لأتيته فقال أبو وائل : فقمت إلى الخلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه . وقال زيد بن وهب : إني لجالس مع عمر إذ جاءه ابن مسعود يكاد الجلوس يوارونه من قصره فضحك عمر حين رآه ، فجعل يكلم عمر ويضاحكه وهو قائم ثم ولّى فأتبعه عمر بصره حتى توارى فقال : كنيف مليء علما [ ( 2 ) ] . وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه : كان عبد اللَّه إذا هدأت العيون قام فسمعت له دويّا كدوىّ النّخل حتى يصبح . وقال سلمة بن تمام : لقي رجل ابن مسعود فقال : لا تعدم حالما مذّكرا ، رأيتك البارحة ورأيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم على منبر مرتفع ، وأنت دونه وهو يقول : يا ابن مسعود ، هلمّ إليّ ، فلقد جفيت بعدي . فقال : اللَّه لأنت رأيت هذا ؟ قال : نعم قال فعزمت أن تخرج من المدينة حتى تصلّى عليّ ، فما لبث أيّاما حتى مات . وقال أبو ظبية [ ( 3 ) ] : مرض عبد اللَّه ، فعاده عثمان بن عفان ، فقال : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ! قال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربى . قال : ألا آمر لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال : ألا آمر لك بعطاء ؟ قال : لا حاجة لي فيه . قال : يكون لبناتك . قال أتخشى على بناتي

--> [ ( 1 ) ] أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب معرفة الصحابة ، من طريق حبة العرني 3 / 315 . ونصه : « أن ناسا أتوا عليا ، فأثنوا على عبد اللَّه بن مسعود ، فقال : أقول فيه مثل قالوا ، وأفضل من قرأ القرآن ، وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، فقيه في الدين ، عالم بالسنة » . وينظر الطبقات لابن سعد : 3 / 1 / 110 . [ ( 2 ) ] أخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق زيد بن وهب 3 / 318 ، وقال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه » . وينظر الطبقات لابن سعد : 3 / 1 / 110 . وكنيف - تصغير كنف بكسر فسكون والكنف : هو الوعاء . والمقصود بالتصغير هنا التعظيم . [ ( 3 ) ] في المطبوعة : أبو طيبة . ينظر التهذيب : 12 / 140 .