ابن الأثير

282

أسد الغابة ( دار الفكر )

فقال رافعا صوته : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، فاستقبلها فقرأ بها ، فتأملوا فجعلوا يقولون : ما يقول ابن أم عبد ؟ ثم قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ! فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللَّه أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه فقالوا : هذا الّذي خشينا عليك ! فقال : ما كان أعداء اللَّه قط أهون عليّ منهم الآن ، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غدا ؟ قالوا : حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون [ ( 1 ) ] ولمّا أسلم عبد اللَّه أخذه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إليه ، وكان يخدمه ، وقال له : إذنك عليّ أن تسمع سوادي ويرفع الحجاب [ ( 2 ) ] » . فكان يلج عليه ، ويلبسه نعليه ، ويمشى معه وأمامه ، ويستره إذا اغتسل ، ويوقظه إذا نام ، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السّواد والسّواك . أخبرنا أبو الفرج الثقفي ، أخبرنا أبو علي الحداد - وأنا حاضر أسمع - أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر الجابري ، حدثنا أحمد بن محمد بن المثنى ، حدثنا علي بن زياد الأحمر ، حدثنا بن إدريس وحفص ، عن الحسن بن عبيد اللَّه ، عن إبراهيم بن سويد ، عن عبد الرحمن ابن يزيد ، عن عبد اللَّه قال : قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : إذنك عليّ أن يرفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك [ ( 3 ) ] » . وهاجر الهجرتين جميعا إلى الحبشة وإلى المدينة ، وصلى القبلتين ، وشهد بدرا ، وأحدا ، والخندق ، وبيعة الرضوان ، وسائر المشاهد مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وشهد اليرموك بعد النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو الّذي أجهز على أبى جهل ، وشهد له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالجنة . وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، روى عنه من الصحابة : ابن عباس ، وابن عمر ، وأبو موسى ، وعمران بن حصين ، وابن الزبير ، وجابر ، وأنس ، وأبو سعيد ، وأبو هريرة ، وأبو رافع ، وغيرهم . وروى عنه من التابعين : علقمة ، وأبو وائل ، والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، وقيس ابن أبي حازم ، وغيرهم .

--> [ ( 1 ) ] سيرة ابن هشام : 1 / 314 ، 315 . [ ( 2 ) ] أخرجه الإمام أحمد في مسندة : 1 / 388 ، 94 ، 404 . ومسلم في كتاب السلام ، باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات ، 8 / 6 ونصه : « إذنك على برفع الحجاب وأن تستمع ، سوادي حتى أنهاك » . والسواد - بكسر السين وبالدال - : « والمراد به السرار ، وهو السر ، يقال : ساودت الرجل مساودة : إذا ساررته ، قالوا : هو مأخوذ من إدناء سوادك من سواده عند المسارة ، أي : إدناء شخصك من شخصه . وقال عبد اللَّه بن الإمام أحمد : قال أبى : « سوادي : سرى ، أذن له أن يسمع سره » . المسند : 1 / 388 . [ ( 3 ) ] رواية الإمام أحمد في المواضع الثلاثة المتقدمة من طريق الحسن بن عبيد اللَّه .