ابن الأثير
124
أسد الغابة ( دار الفكر )
وصحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأقام معه ، وكان أوّاها [ ( 1 ) ] فاضلا كثيرا التلاوة للقرآن العزيز . أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده إلى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، قال : كان عبد اللَّه - رجل من مزينة ذو البجادين - يتيما في حجر عمه ، فكان يعطيه ، وكان محسنا إليه ، فبلغ عمه أنه قد تابع دين محمد ، فقال له : لئن فعلت وتابعت دين محمد لأنزعنّ منك كل شيء أعطيتك . قال : فإنّي مسلم . فنزع منه كل شيء أعطاه حتى جرّده من ثوبه ، فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين ، فاتّزر نصفا ، وارتدى نصفا ، ثم أصبح فصلّى مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الصبح ، فلما صلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تصفّح الناس ينظر من أتاه ، وكان يفعل ، فرآه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد العزى . فقال : أنت عبد اللَّه ذو البجادين ، فالزم بابي . فلزم باب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وكان يرفع صوته بالقرآن والتسبيح والتكبير . فقال عمر : يا رسول اللَّه ، أمراء هو ؟ قال : دعه عنك ، فإنه أحد الأوّاهين . وتوفى في حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . روى الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال : لكأنّي أرى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، وهو في قبر عبد اللَّه ذي البجادين ، وأبو بكر وعمر يدلّيانه ، ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، يقول : أدنيا منى أخاكما . فأخذه من قبل القبلة حتى أسنده في لحده ، ثم خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ووليا هما العمل ، فلما فرغا من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول : « اللَّهمّ إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه . قال : يقول ابن مسعود : فو اللَّه لوددت أنى مكانه ، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة . وقد روى من طريق آخر قال : فقال أبو بكر : وددت أنى - واللَّه - صاحب القبر . وذكر محمّد بن إسحاق أنه مات في غزوة تبوك ، وروى عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن ابن مسعود في موته ، ودعا له النبي صلى اللَّه عليه وسلم نحو ما تقدم [ ( 2 ) ] . وقال : قال عبد اللَّه : ليتني كنت صاحب الحفرة . أخرجه الثلاثة .
--> [ ( 1 ) ] الأواه : المتأوه المتضرع ، وفي مسند أحمد 4 / 159 عن عقبة بن عامر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لرجل يقال له : ذو البجادين - : إنه أواه . وذلك أنه كان رجلا كثير الذكر للَّه عز وجل في القرآن ، ويرفع صوته في الدعاء . [ ( 2 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 527 ، 528 .