ابن الأثير

329

أسد الغابة ( دار الفكر )

الشام ، فلم يرجع من أهله إلا عبد الرحمن بن الحارث ، فلما رجعت فاختة وعبد الرحمن قال عمر : زوّجوا الشّريد الشريدة ، ففعلوا ، فنشر اللَّه منهما عددا كثيرا ، فقيل مات سهيل في طاعون عمواس ، في خلافة عمر ، سنة ثمان عشرة . وهذا سهيل هو صاحب القضية يوم الحديبيّة مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، حين اصطلحوا ، ذكر محمد بن سعد عن الواقدي ، عن سعيد بن مسلم ، قال : لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم الفتح ، أكثر صلاة ولا صوما ولا صدقة ، ولا أقبل على ما يعنيه من أمر الآخرة ، من سهيل بن عمرو ، حتى إنه كان قد شحب وتغيّر لونه ، وكان كثير البكاء ، رقيقا عند قراءة القرآن ، لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل يقرئه القرآن وهو يبكى ، حتى خرج معاذ من مكة ، فقال له ضرار بن الأزور : يا أبا يزيد ، تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك القرآن ! ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك ؟ فقال : يا ضرار ، هذا الّذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا كلّ السبق ، لعمري أختلف ، لقد وضع الإسلام أمر الجاهلية ، ورفع اللَّه أقواما بالإسلام كانوا في الجاهلية لا يذكرون ، فليتنا كنا مع أولئك فتقدّمنا ، وإني لأذكر ما قسم اللَّه لي في تقدّم أهل بيتي الرجال والنساء ، ومولاي عمير بن عوف فأسرّ به ، وأحمد اللَّه عليه ، وأرجو أن يكون اللَّه نفعني [ ( 1 ) ] بدعائهم ألا أكون هلكت على ما مات عليه نظرائي وقتلوا ، فقد شهدت مواطن كلها أنا فيها معاند للحق ، يوم بدر ، ويوم أحد ، ويوم الخندق ، وأنا وليت أمر الكتاب يوم الحديبيّة يا ضرار ، إني لأذكر مراجعتى رسول اللَّه يومئذ ، وما كنت ألظّ [ ( 2 ) ] به من الباطل ، فأستحيى من رسول اللَّه وأنا بمكة ، وهو يومئذ بالمدينة ، ثم قتل ابني عبد اللَّه يوم اليمامة شهيدا ، فعزاني به أبو بكر ، وقال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهل بيته ، فأنا أرجو أن أكون أول من يشفع له . قيل : استشهد باليرموك وهو على كردوس [ ( 3 ) ] ، وقيل : بل استشهد يوم الصّفّر [ ( 4 ) ] ، وقيل : مات في طاعون عمواس ، واللَّه أعلم . أخرجه الثلاثة .

--> [ ( 1 ) ] في المطبوعة : ينفعني . [ ( 2 ) ] ألظ به : ألزمه . [ ( 3 ) ] الكردوس : كتيبة من الخيل . [ ( 4 ) ] كان سنة أربع عشرة من الهجرة ، ومرج الصفر سهل واسع قبلي دمشق ، وكان طاعون عمواس سنة ثمان عشرة ، وعمواس ضيعة على ستة أميال من الرملة ، على طريق بيت المقدس ، وفد ذكر الذهبي ان ابنه أبا جندل هو الّذي استشهد في الطاعون ( العبر : 1 / 22 ) .