ابن الأثير
266
أسد الغابة ( دار الفكر )
فبعث إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم ، وسألتهم إعلامي من يريد الشام ، ففعلوا . فألقيت الحديد من رجلي ، وخرجت معهم ، حتى أتيت الشام ، فسألتهم عن عالمهم ، فقالوا : الأسقفّ ، فأتيته ، فأخبرته ، وقلت : أكون معك أخدمك وأصلى معك ؟ قال : أقم . فمكثت مع رجل سوء في دينه ، كان يأمرهم بالصدقة ، فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه ، حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا ، فتوفى ، فأخبرتهم بخبره ، فزبروني [ ( 1 ) ] ، فدللتهم على ماله فصلبوه ، ولم يغيّبوه ورجموه ، وأحلّوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا ورغبة في الآخرة وصلاحا ، فألقى اللَّه حبّه في قلبي ، حتى حضرته الوفاة ، فقلت : أوصى ، فذكر رجلا بالموصل ، وكنا على أمر واحد حتى هلك . فأتيت الموصل ، فلقيت الرجل ، فأخبرته بخبري ، وأن فلانا أمرني بإتيانك ، فقال : أقم . فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة ، فقلت له : أوصى ، فقال : ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلا رجلا بعمّورية . فأتيته بعمّورية ، فأخبرته بخبري ، فأمرني بالمقام وثاب لي شيء ، واتخذت غنيمة وبقيرات ، فحضرته الوفاة فقلت : إلى من توصي بي ؟ فقال : لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه ، ولكن قد أظلّك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفيّة ، مهاجره بأرض ذات نخل ، وبه آيات وعلامات لا تخفى ، بين منكبيه خاتم النبوّة ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فإن استطعت فتخلص إليه . فتوفى . فمرّ بي ركب من العرب ، من كلب ، فقلت : أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه ، وتحملوني إلى بلادكم ؟ فحملوني إلى وادي القرى ، فباعونى من رجل من اليهود ، فرأيت النخل ، فعلمت أنه البلد الّذي وصف لي ، فأقمت عند الّذي اشترانى ، وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشترانى منه ، وقدم بي المدينة ، فعرفتها بصفتها ، فأقمت معه أعمل في نخله ، وبعث اللَّه نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ، وغفلت عن ذلك حتى قدم المدينة ، فنزل في بنى عمرو بن عوف ، فإنّي لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لصاحبي ، فقال : أي فلان ، قاتل اللَّه بنى قيلة [ ( 2 ) ] ، مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة ، يزعم أنه نبي ، فو الّذي ما هو إلا أن سمعتها ، فأخذني القرّ [ ( 3 ) ] ورجفت بي النخلة ، حتى كدت أن أسقط ، ونزلت سريعا ، فقلت : ما هذا الخير ؟
--> [ ( 1 ) ] زبره : نهره . [ ( 2 ) ] يريد الأوس والخزرج ، قبيلتي الأنصار ، وقيلة : اسم أم لهم قديمة . [ ( 3 ) ] القر : البرد .