ابن الأثير

242

أسد الغابة ( دار الفكر )

وروى أنه لما اجتمعت الروم يوم اليرموك استغاث أبو عبيدة عمر فأمده بسعيد بن عامر بن حذيم ، وله أخبار عجيبة في زهده لا نطوّل بذكرها . أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن الدمشقيّ إجازة قال : أخبرنا أبى ، أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم ، أخبرنا عبد العزيز الكناني ، أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر ، أخبرنا أبو علي الحسن بن حبيب ، أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم البغدادي أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا عبد اللَّه بن نوح ، أخبرنا مالك بن دينار ، عن شهر بن حوشب ، قال : لما قدم عمر حمص أمرهم أن يكتبوا له فقراءهم ، فرفع الكتاب ، فإذا فيه سعيد بن عامر ، قال : من سعيد بن عامر ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، أميرنا . قال : وأميركم فقير ؟ قالوا : نعم . فعجب فقال : كيف يكون أميركم فقيرا ! أين عطاؤه ؟ أين رزقه ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، لا يمسك شيئا ، قال : فبكى عمر ، ثم عمد إلى ألف دينار فصرّها وبعث بها إليه ، وقال : أقرئوه منى السلام ، وقولوا له : بعث بها إليك أمير المؤمنين ، فاستعن بها على حاجتك ، قال : فجاء بها الرسول ، فنظر إليها فإذا هي دنانير ، فجعل يسترجع ، فقالت له امرأته : ما شأنك ؟ أصيب أمير المؤمنين ؟ قال : أعظم ، قالت : فظهرت آية ؟ قال : أعظم من ذلك ، قالت : فأمر من الساعة ؟ قال : بل أعظم من ذلك ، قالت : فما شأنك ؟ قال : الدنيا أتتني ، الفتنة أتتني ، دخلت عليّ ، قالت : فاصنع فيها ما شئت ، قال لها : أعندك عون ؟ قالت : نعم ، فصرّ الدنانير فيها صررا ، ثم جعلها في مخلاة ، ثم بات يصلى حتى أصبح ، ثم اعترض بها جيشا من جيوش المسلمين ، فأمضاها كلها ، فقالت له امرأته : لو كنت حبست منها شيئا نستعين به ! فقال لها : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : لو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك . فإنّي واللَّه ما أختار عليهنّ . وتوفى بقيسارية من الشام ، وهو أميرها سنة تسع عشرة ؛ قاله الهيثم بن عدي ، وقال أبو نعيم : توفى بالرّقة ، وبها قبره ، وقيل : توفى بحمص واليا عليها بعد عياض بن غنم . وقيل : توفى سنة عشرين ، وقيل : سنة إحدى وعشرين ، وهو ابن أربعين سنة ، ولم يعقب . روى عنه عبد الرحمن بن سابط أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : يدخل فقراء المهاجرين قبل الناس بسبعين عاما . أخرجه الثلاثة .