ابن الأثير
205
أسد الغابة ( دار الفكر )
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا بخشي خلاف مخالف قال : فظنّت قريش أنه يعنى سعد بن زيد مناة بن نميم ، وسعد هذيم ، من قضاعة ، فسمعوا الليلة الثانية قائلا : أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا * على اللَّه في الفردوس منية عارف وإن ثواب اللَّه للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات زخارف فقالوا : هذا سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة . ولما كان غزوة الخندق بذل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعيينة بن حصن ثلث ثمار المدينة ، لينصرف ممن معه من غطفان ، واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دون سائر الناس ، فقالا : يا رسول اللَّه ، إن كنت أمرت بشيء فافعله ، وان كان غير ذلك فو اللَّه ما نعطيهم إلا السيف ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لم أومر بشيء ، وإنما هو رأى أعرضه عليكما ، فقالا : يا رسول اللَّه ، ما طمعوا بذلك منا قطع في الجاهلية ، فكيف اليوم ، وقد هدانا اللَّه بك ! فسر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقولهما . وكانت راية رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بيد سعد بن عبادة يوم الفتح ، فمرّ بها على أبي سفيان ، وكان أبو سفيان قد أسلم ، فقال له سعد : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلّ الحرمة ، اليوم أذلّ اللَّه قريشا ، فلما مر رسول اللَّه في كتيبة ، من الأنصار ، ناداه أبو سفيان : يا رسول اللَّه ، أمرت بقتل قومك ، زعم سعد أنه قاتلنا ، وقال عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف : يا رسول اللَّه ، ما نأمن سعدا أن تكون منه صولة في قريش ، فقال رسول اللَّه : يا أبا سفيان ، اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعز اللَّه قريشا ، فأخذ رسول اللَّه اللواء من سعد ، وأعطاه ابنه قيسا ، وقيل : أعطى اللواء الزبير بن العوام ، وقيل : أمر عليا فأخذ اللواء ، ودخل به مكة . وكان غيورا شديد الغيرة ، وإياه أراد رسول اللَّه بقوله : إن سعدا لغيور ، وإني لأغير من سعد ، واللَّه أغير منا ، وغيرة اللَّه أن تؤنى محارمه . وفي هذا الحديث قصة . ولما توفى النبي صلى اللَّه عليه وسلم طمع في الخلافة ، وجلس في سقيفة بنى ساعدة ليبايع لنفسه ، فجاء إليه أبو بكر ، وعمر ، فبايع الناس أبا بكر ، وعدلوا عن سعد ، فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر ، وسار إلى الشام ، فأقام به بحوران [ ( 1 ) ] إلى أن مات سنة خمس عشرة ، وقيل : سنة أربع عشرة
--> [ ( 1 ) ] حوران : كورة واسعة من أعمال دمشق ، ذات قرى كثيرة ومزارع .