ابن الأثير
598
أسد الغابة ( دار الفكر )
وأنا غافلة ، حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ، قالت : ففزعت فزعة عرفها خبيب ، فقال : أتحسبين أنى أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك ، فقالت : واللَّه ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب ، واللَّه لقد وجدته يوما يأكل قطفا [ ( 1 ) ] من عنب في يده ، وإنه لموثق في الحديد ، وما بمكة من تمرة ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه اللَّه خبيبا ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ ، قال لهم خبيب : دعوني أركع ركعتين ، فتركوه فركع ركعتين ، ثم قال : واللَّه لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع من الموت لزدت ، اللَّهمّ أحصهم عددا ، واقتلهم بددا [ ( 2 ) ] ، ولا تبق منهم أحدا : فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أيّ جنب كان في اللَّه مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع [ ( 3 ) ] ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله . وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة ، واستجاب اللَّه لعاصم بن ثابت يوم أصيب ، فأخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أصحابه حين أصيبوا خبرهم ، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف ، وكان قتل رجلا عظيما منهم يوم بدر ، فبعث اللَّه إلى عاصم مثل الظّلّة من الدّبر [ ( 4 ) ] فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا . كذا في هذه الرواية أن بين الحارث بن عامر ابتاعوا خبيبا ، وقال ابن إسحاق : وابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي ، حليف لهم ، وكان حجير [ ( 5 ) ] أخا الحارث بن عامر لأمه ، فابتاعه لعقبة بن الحارث ليقتله بأبيه . وقيل : اشترك في ابتاعه أبو إهاب بن عزيز ، وعكرمة بن أبي جهل ، والأخنس بن شريق ، وعبيدة ابن حكيم بن الأوقص ، وأمية بن أبي عتبة ، وبنو الحضرميّ ، وصفوان بن أمية ، وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر ، ودفعوه إلى عقبة بن الحارث ، فسجنه في داره ، فلما أرادوا قتله خرجوا به إلى التّنعيم [ ( 6 ) ] فصل ركعتين ، وقال : لقد جمّع الأحزاب حولي وألبّوا [ ( 7 ) ] * قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمع وقد قرّبوا أبناءهم ونساءهم * وقرّبت من جذع طويل ممنّع وكلّهم يبدي العداوة جاهدا * عليّ ، لأني في وثاق بمضيع
--> [ ( 1 ) ] القطف : العنقود . [ ( 2 ) ] يروى بكسر الباء ، جمع بده ، وهي الحصة والنصيب ، أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه ، ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد . [ ( 3 ) ] الشلو : البقية ، والممزع : المقطع . [ ( 4 ) ] الدبر : النحل والزنابير . [ ( 5 ) ] في سيرة ابن هشام 2 - 171 : « وكان أبو إهاب أخا الحارث . . . » [ ( 6 ) ] موضع على ثلاثة أميال من مكة خارج الحرم على طريق المدينة . [ ( 7 ) ] كذا رويت الأبيات في الاستيعاب : 441 ، وهي في السيرة : 2 - 176 مع خلاف وتقديم وتأخير .