ابن الأثير

575

أسد الغابة ( دار الفكر )

أنك رسول اللَّه ، فسر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بإسلامه ، وتغيب خالد ، وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده ، ولم يكونوا أسلموا ، فوجدوه ، فأتوا به أباه أبا أحيحة سعيدا ، فسبّه وبكّته وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه ، وقال : اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه ، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم ! قال : قد - واللَّه - تبعته على ما جاء به . فغضب أبوه ونال منه ، وقال : اذهب يا لكع حيث شئت ، واللَّه لأمنعنّك القوت ، فقال خالد : إن منعتني فإن اللَّه يرزقني ما أعيش به . فأخرجه وقال لبنيه : لا يكلّمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بخالد . فانصرف خالد إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فكان يلزمه ، ويعيش معه . وتغيّب عن أبيه في نواحي مكة حتى خرج المسلمون إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ، فخرج معهم ، وكان أبوه شديدا على المسلمين ، وكان أعزّ من بمكة ، فمرض فقال : لئن اللَّه رفعني من مرضى هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة . فقال ابنه خالد عند ذلك : اللَّهمّ لا ترفعه . فتوفى في مرضه ذلك . وهاجر خالد إلى الحبشة ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية ، وولد له بها ابنه سعيد بن خالد ، وابنته أم خالد ، واسمها أمة ، وهاجر معه إلى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد ، وقدما على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بخيبر مع جعفر بن أبي طالب في السفينتين ، فكلم النبي صلّى اللَّه عليه وسلم المسلمين ، فأسهموا لهم ، وشهد مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم القضيّة [ ( 1 ) ] وفتح مكة ، وحنينا ، والطائف ، وتبوك ، وبعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عاملا على صدقات اليمن ، وقيل : على صدقات مذحج وعلى صنعاء ، فتوفى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وهو عليها . ولم يزل خالد وأخواه عمرو بن أبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى توفى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فلما توفى رجعوا عن أعمالهم ، فقال لهم أبو بكر : ما لكم رجعتم ؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، ارجعوا إلى أعمالكم ، فقالوا : نحن بنو أبى أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أبدا . وكان خالد على اليمن كما ذكرناه ، وأبان على البحرين ، وعمرو على تيماء وخيبر ، وقرى عربية ، وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبى بكر رضى اللَّه عنه . فقال لبني هاشم : إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر ، ونحن تبع لكم ، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان . ثم استعمل أبو بكر خالدا على جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام ، فقتل بمرج الصّفّر [ ( 2 ) ] في خلافة أبى بكر رضى اللَّه عنه ، وقيل : كانت وقعة مرج الصّفّر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر . وقيل : بل كان قتله في وقعة أجنادين بالشام قبل وفاة أبى بكر بأربع وعشرين ليلة ، وقد اختلف أصحاب السير في وقعة أجنادين ، ووقعة الصفر ، ووقعة اليرموك ، أيها قبل الأخرى ، واللَّه أعلم . أخرجه الثلاثة . قال الغسّانى : قرى عربية ، كذا هو غير منون لهذه التي بالحجاز ، كذا قيده غير واحد من أهل العلم .

--> [ ( 1 ) ] هي عمرة القضاء . [ ( 2 ) ] كذا ضبطه ياقوت ، وهو موضع بدمشق .