ابن الأثير

529

أسد الغابة ( دار الفكر )

معهم ، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص [ ( 1 ) ] له ، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له ، وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم ، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة ، وكان يومئذ مشركا على دين قومه ، فلما مر بالمولاة ، وقد قام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فرجع إلى بيته ، فقالت له : يا أبا عمارة ، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبى الحكم آنفا ، وجده [ ( 2 ) ] هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد . فاحتمل حمزة الغضب لما أراد اللَّه تعالى به من كرامته ، فخرج سريعا لا يقف على أحد ، كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت ، معدا لأبى جهل أن يقع [ ( 3 ) ] به ، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم ، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس ، فضربه بها ضربة شجه شجة منكرة ، وقامت رجال من قريش من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ، فقالوا : ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت ، فقال حمزة : وما يمنعني ، وقد استبان لي منه ذلك ؟ أنا أشهد أنه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، وأن الّذي يقول الحقّ ، فو اللَّه لا أنزع ، فامنعوني إن كنتم صادقين ، قال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإنّي واللَّه لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا . وتم حمزة على إسلامه ، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قد عز وامتنع ، وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه . ثم هاجر إلى المدينة ، وشهد بدرا ، وأبلى فيها بلاء عظيما مشهورا ، فمن شيبة بن ربيعة بن عبد شمس مبارزة ، وشرك في قتل عتبة بن ربيعة ، اشترك هو وعلى رضى اللَّه عنهما في قتله [ ( 4 ) ] ، وقتل أيضا طعيمة ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، أخا المطعم بن عدي . قال أبو الحسن المدائني : أول لواء عقده رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه ، بعثه في سرية إلى سيف [ ( 5 ) ] البحر من أرض جهينة ، وخالفه ابن إسحاق ، فقال : أول لواء عقده لعبيدة بن الحارث بن المطلب [ ( 6 ) ] . وكان حمزة يعلم في الحرب بريشة نعامة . وقاتل يوم بدر بين يدي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بسيفين ، وقال بعض أسارى الكفار : من الرجل المعلم بريشة نعامة ؟ قالوا : حمزة رضى اللَّه عنه . قال : ذاك فعل بنا الأفاعيل . وشهد أحدا ، فقتل بها يوم السبت النصف من شوال ، وكان قتل من المشركين قبل أن يقتل واحدا وثلاثين نفسا ، منهم : سباع الخزاعي ، قال له حمزة : هلم إلى يا ابن مقطعة البظور ، وكانت أمه ختانة ، فقتله .

--> [ ( 1 ) ] القنص : الصيد . [ ( 2 ) ] في الأصل والمطبوعة : قبيل وجده هاهنا . ينظر سيرة ابن هشام : 1 / 392 . [ ( 3 ) ] وقع به : لامه وعنفه ، وفي سيرة ابن هشام 1 - 292 : يوقع به ، أي يقاتله . [ ( 4 ) ] ينظر سيرة ابن هشام : 1 - 709 . [ ( 5 ) ] سيف البحر بكسر السين : ساحله . [ ( 6 ) ] ينظر سيرة ابن هشام : 1 - 591 .