ابن الأثير

491

أسد الغابة ( دار الفكر )

إلى أن ترك الملك والدنيا ، رغبة فيما عند اللَّه تعالى ، وكان يقول : ما أحببت أن ألي أمر أمة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم ، وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان بن عفان . وولى الخلافة بعد قتل أبيه على رضى اللَّه عنهما ، وكان قتل على لثلاث عشرة بقيت من رمضان من سنة أربعين ، وبايعه أكثر من أربعين ألفا ، كانوا قد بايعوا أباه على الموت ، وكانوا أطوع للحسن ، وأحب له . وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق ، وما وراءه من خراسان والحجاز واليمن وغير ذلك ، ثم سار معاوية إليه من الشام ، وسار هو إلى معاوية ، فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الأخرى ، فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر إليه ، على أن تكون له الخلافة بعده ، وعلى أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه ، وغير ذلك من القواعد ، فأجابه معاوية إلى ما طلب ، فظهرت المعجزة النبويّة في قوله صلّى اللَّه عليه وسلم : إن ابني هذا سيد يصلح اللَّه به بين فئتين من المسلمين . وأيّ شرف أعظم من شرف من سماه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم سيدا ؟ أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن الدمشقيّ إجازة ، أخبرنا أبى ، أخبرنا أبو السعود ، حدثنا أحمد بن محمد بن المجلي ، أخبرنا محمد بن محمد بن أحمد العكبريّ ، أخبرنا محمد بن أحمد بن خاقان ، أخبرنا أبو بكر بن دريد قال : قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد اللَّه عز وجل : إنا واللَّه ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فسلبت السلامة بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم ، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وإنا لكم كما كنا ، ولستم لنا كما كنتم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، فأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر ، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه ، وحاكمناه إلى اللَّه - عز وجل - بظبا [ ( 1 ) ] السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا ، فناداه القوم من كل جانب : البقية البقية ، فلما أفردوه أمضى الصلح » . أخبرنا إبراهيم بن محمد بن مهران الفقيه وغير واحد ، قالوا بإسنادهم إلى أبى عيسى الترمذي قال : حدثنا محمود بن غيلان ، أخبرنا أبو داود الطيالسي ، أخبرنا القاسم بن الفضل الحدّانى [ ( 2 ) ] ، عن يوسف بن سعد . قال : قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية ، فقال : سوّدت وجوه المؤمنين ، أو : يا مسوّد وجوه المؤمنين ، فقال : لا تؤنّبنى ، رحمك اللَّه ، فإن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أرى بنى أمية على منبره فساءه ذلك ، فنزلت : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ ( 3 ) ] تملكها بعدي بنو أمية . وقد اختلف في الوقت الّذي سلّم فيه الحسن الأمر إلى معاوية ، فقيل : في النصف من جمادى الأولى

--> [ ( 1 ) ] ظبة السيف : حده : وجمعه : ظبا . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : الحراني ، ينظر خلاصة التذهيب : 266 . [ ( 3 ) ] القدر : 1 ، 2 ، 3 .