ابن الأثير
483
أسد الغابة ( دار الفكر )
فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال : هذا شعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة . يعنى بقوله بنت مخزوم : فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وهي أم أبى طالب ، وعبد اللَّه ، والزبير ، بنى عبد المطلب ، وقوله : ومن ولدت أبناء زهرة منهم ، يعنى حمزة وصفية ، أمهما : هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وقوله : عباس وابن أمه ، وهو ضرار بن عبد المطلب ، أمهما : نتيلة ، امرأة من النمر بن قاسط ، وسمية أم أبي سفيان ، وسمراء أم أبيه الحارث . قال ابن سيرين : انتدب لهجو رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من المشركين من ذكرنا وغيرهم ، فانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار : حسان ، وكعب بن مالك ، وعبد اللَّه بن رواحة ، فكان حسان وكعب يعارضانهم ، مثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر ، ويذكرون مثالبهم ، وكان عبد اللَّه بن رواحة يعيرهم بالكفر وبعبادة ما لا يسمع ولا ينفع ، فكان قوله أهون القول عليهم ، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم ، فلما أسلموا وفقهوا كان قول عبد اللَّه أشدّ القول عليهم . ونهى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه عن إنشاد شيء من مناقضة الأنصار ومشركي قريش ، وقال : في ذلك شتم الحي والميت ، وتجديد الضغائن . وقد هدم اللَّه أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام . وقال ابن دريد ، عن أبي حاتم ، عن أبي عبيدة ، قال : فضل حسان الشعراء بثلاث : كان شاعر الأنصار في الجاهلية ، وشاعر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في النبوة ، وشاعر اليمن كلها في الإسلام [ ( 1 ) ] . وقال أبو عبيدة : أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب ، ثم عبد القيس ، ثم ثقيف ، وعلى أن أشعر أهل المدر حسان . وقال الأصمعي : الشعر نكد يقوى في الشر ويسهل ، فإذا دخل في الخبر يضعف [ ( 2 ) ] . لأن هذا حسان كان من فحول الشعراء في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام سقط شعره . وقيل لحسان : لان شعرك وهرم يا أبا الحسام ، فقال للسائل : يا ابن أخي ، إن الإسلام يحجز عن الكذب . يعنى أن الإجادة في الشعر هو الإفراط في الّذي يقوله ، وهو كذب يمنع الإسلام منه ، فلا يجئ الشعر جيدا . أخبرنا أبو الفضل المنصور بن أبي الحسن بن أبي عبد اللَّه الطبري الفقيه الشافعيّ بإسناده إلى أحمد بن علي بن المثنى قال : حدثنا حوثرة ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن هشام ، عن أبيه : أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم جلد الذين قالوا لعائشة ما قالوا ثمانين ثمانين : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش . وكان حسان ممن خاض في الإفك ، فجلد فيه في قول بعضهم ، وأنكر قوم ذلك ، وقالوا : إن عائشة كانت في الطواف ، ومعها أم حكيم بنت [ ( 3 ) ] خالد بن العاص ، وأم حكيم بنت عبد اللَّه بن أبي ربيعة ، فذكرتا حسان بن ثابت وسبتاه ، فقالت عائشة : إني لأرجو أن يدخله اللَّه الجنة بذبه عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بلسانه ، أليس القائل :
--> [ ( 1 ) ] ينظر الأغاني : 4 - 136 . [ ( 2 ) ] ينظر الشعر والشعراء : 1 - 305 . [ ( 3 ) ] في الأصل والمطبوعة : بن .