ابن الأثير
469
أسد الغابة ( دار الفكر )
كجمر دحرجته على رجلك فنفطت [ ( 1 ) ] فتراه منتبرا وليس فيه شيء ، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله ، قال : فيصبح الناس فيتبايعون لا يكاد أحد يؤدى الأمانة ، حتى يقال : إن في بنى فلان رجلا أمينا ، وحتى يقال للرجل : ما أجلده وأظرفه وأعقله ، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان . قال : ولقد أتى على زمان ما أبالي أيكم بايعت ، لئن كان مسلما ليردنه عليّ دينه ، ولئن كان يهوديا أو نصرانيا ليردنه عليّ ساعيه [ ( 2 ) ] ، وأما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا . روى زيد بن أسلم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال لأصحابه : تمنوا ، فتمنوا ملء البيت الّذي كانوا فيه مالا وجواهر ينفقونها في سبيل اللَّه ، فقال عمر : لكني أتمنى رجالا مثل أبى عبيدة ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، فأستعملهم في طاعة اللَّه عز وجل ، ثم بعث بمال إلى أبى عبيدة ، وقال : انظر ما يصنع ، فقسمه ، ثم بعث بمال إلى حذيفة ، وقال : انظر ما يصنع ، قال : فقسمه ، فقال عمر : قد قلت لكم . وقال ليث بن أبي سليم [ ( 3 ) ] : لما نزل بحذيفة الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا ، فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : ما أبكى أسفا على الدنيا ، بل الموت أحب إليّ ، ولكني لا أدرى علام أقدم ، على على رضى أم على سخط ؟ وقيل : لما حضره الموت قال : هذه آخر ساعة من الدنيا ، اللَّهمّ ، إنك تعلم أنى أحبك ، فبارك لي في لقائك ثم مات . وكان موته بعد قتل عثمان بأربعين ليلة ، سنة ست وثلاثين . وقال محمد بن سيرين : كان عمر إذا استعمل عاملا كتب عهده : وقد بعثت فلانا وأمرته بكذا ، فلما استعمل حذيفة على المدائن كتب في عهده : أن اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم ، فلما قدم المدائن استقبله الدهاقين [ ( 4 ) ] ، فلما قرأ عهده ، قالوا : سلنا ما شئت ، قال : أسألكم طعاما آكله وعلف حماري ما دمت فيكم ، فأقام فيهم ، ثم كتب إليه عمر ليقدم عليه ، فلما بلغ عمر قدومه كمن له على الطريق ، فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها ، أتاه فالتزمه ، وقال : أنت أخي وأنا أخوك . أخرجه ثلاثتهم . غريبه : الجذر : الأصل ، وجذر كل شيء : أصله ، وتفتح الجيم وتكسر . والمجل : يقال مجلت يده تمجل مجلا ، ومجلت تمجل مجلا ، إذا ثخن جلدها وتعجّر حتى يظل أثرها مثل أثر المجل [ ( 5 ) ] . المنتبر :
--> [ ( 1 ) ] يعنى : قرحت . [ ( 2 ) ] يعنى رئيسهم الّذي يصدرون عن رأيه ولا يمضون أمرا دونه . [ ( 3 ) ] ينظر ميزان الاعتدال : 3 / 430 . [ ( 4 ) ] الدهقان : رئيس القرية . [ ( 5 ) ] كذا ، وفي النهاية بعد قوله « وتعجر » : وظهر فيها ما يشبه البثر ، من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة .