ابن الأثير

452

أسد الغابة ( دار الفكر )

إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، من حاله كذا وكذا ، قال : صفيه يا أم معبد ، قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صعلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثافة ، أزجّ أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن ، ربعة لا بائن من طول ، ولا تزدريه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، وهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفنّد . قال أبو معبد : هذا واللَّه صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ، ولقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلن إن وجدت سبيلا . فأصبح صوت بمكة عال ، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه ، وهو يقول [ ( 1 ) ] : جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه * رفيقين قالا [ ( 2 ) ] خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به * فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصىّ ما زوى اللَّه عنكم * به من فعال لا يجارى وسؤدد [ ( 3 ) ] ليهن [ ( 4 ) ] بنى كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل [ ( 5 ) ] فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد [ ( 6 ) ] فغادرها رهنا لديها لحالب * يرددها في مصدر ثم مورد فلما سمع بذلك حسان بن ثابت شبب يجاوب الهاتف ، فقال [ ( 7 ) ] : لقد خاب قوم زال [ ( 8 ) ] عنهم نبيهم * وقدّس من يسرى إليهم ويغتدى ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدّد هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلّال قوم تسفهوا * [ عمى وهداة يهتدون بمهتد [ ( 9 ) ] ] وقد نزلت منه على أهل يثرب * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب اللَّه في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد

--> [ ( 1 ) ] الأبيات في ديوان حسان : 78 ، 79 . [ ( 2 ) ] قالا من القيلولة ، وهي النوم في منتصف النهار . [ ( 3 ) ] الرواية في ديوان حسان : به من فخار لا يبارى ، وفي الأصل : يجازى . [ ( 4 ) ] أي : ليفرح . [ ( 5 ) ] الحائل : التي لم تلقح سنة أو سنتين أو سنوات . [ ( 6 ) ] الرواية في الديوان : له بصريح . . . [ ( 7 ) ] ديوان حسان : 80 ، 81 . [ ( 8 ) ] في الديوان : غاب . [ ( 9 ) ] عن ديوانه ، وشرح ديوان حسان للبرقوقى 88 ، وفي المطبوعة : عمايتهم وهاد به كل مهتد . وفي الأصل : عمايتهم عاد به كل مهتد .