ابن الأثير
36
أسد الغابة ( دار الفكر )
وكان طويل الصمت ، ضحكه التبسم ، وكان يخوض مع أصحابه إذا تحدثوا ، فيذكرون الدنيا فيذكرها معهم ، ويذكرون الآخرة فيذكرها معهم . ولم يكن فاحشا ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ؛ قالت عائشة : ما خير رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم ؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما ضرب امرأة قط ، ولا ضرب خادما ، ولا ضرب شيئا قط إلا أن يجاهد . وقال أنس : خدمت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عشر سنين فما سبني قط ولا ضربني ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني ، فإن عتب أحد من أهله قال : دعوه فلو قدر لكان . وكان أشد الناس لطفا ؛ وقالت عائشة رضى اللَّه عنها : « كان يرقع الثوب ويقمّ البيت ، ويخصف النعل ، ويطحن عن خادمه إذا أعيا . هذا القدر كاف ، وتركنا أسانيدها اختصارا . وأما معجزاته صلّى اللَّه عليه وسلم فهي أكثر من أن تحصى فمنها : إخباره عن عير قريش ليلة أسرى به أنها تقدم وقت كذا فكان كما قال . ومنها ما أخبر به من قتل كفار قريش ببدر ، وموضع كل واحد منهم فكان كذلك . ولما اتخذ المنبر حن الجذع الّذي كان يخطب عنده حتى التزمه فسكن . ومنها أن الماء نبع من بين أصابعه غير مرة . وبورك في الطعام القليل حتى كان يأكل منه الكثير من الناس ، فعل ذلك كثيرا . وأمر شجرة بالمجيء إليه فجاءت ، وأمرها بالعود فعادت ، وسبح الحصى بيده . ومنها ما أخبر به من الغيوب ، فوقع بعده كما قال : مثل إخباره عن انتشار دعوته وفتح الشام ومصر وبلاد الفرس وعدد الخلفاء ، وأن بعدهم يكون ملك وإخباره أن بعده أبا بكر وعمر . وقوله عن عثمان : يدخل الجنة على بلوى تصيبه ، وقوله : « إن اللَّه مقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم » يعنى الخلافة وقوله : « لعلك تضرب على هذه فتختضب » يعنى جانب رأسه ولحيته ، فكان كذلك . و قوله عن ابنه الحسن : « يصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين » . و قوله عن عمار : « تقتلك الفئة الباغية » . وإشارته بالوصف إلى المختار والحجاج ، إلى غير ذلك مما لا يحصى . وما ظهر بمولده من المعجزات منها : الفيل وهو الأمر المجمع عليه وارتجاس [ ( 1 ) ] إيوان كسرى ، وإخبار أهل الكتاب بنبوته قبل ظهوره ، إلى غير ذلك مما لا نطول به ، ففي هذا كفاية .
--> [ ( 1 ) ] أي : اهتزازه .