ابن الأثير

358

أسد الغابة ( دار الفكر )

رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لم يزد في ملكي شيئا ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل إنسان ما سأل ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط [ ( 1 ) ] غمسة واحدة ، يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد اللَّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه » . أخبرنا أبو محمد الحسن بن أبي القاسم علي بن الحسن إجازة ، أخبرنا أبى ، أخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم ، أخبرنا أبو الفضل الرازيّ ، أخبرنا جعفر بن عبد اللَّه ، أخبرنا محمد بن هارون ، أخبرنا محمد ، ابن إسحاق ، أخبرنا عفان بن مسلم ، أخبرنا وهيب ، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم [ ( 2 ) ] ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، عن زوجة أبي ذر ، أن أبا ذر حضره الموت ، وهو بالربذة ، فبكت امرأته ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : أبكى أنه لا بدّ لي من تكفينك ، وليس عندي ثوب يسع لك كفنا ، فقال : لا تبكى ، فإنّي سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده عصابة من المؤمنين ، فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، ولم يبق غيري ، وقد أصبحت بالفلاة أموت ، فراقبى الطريق ، فإنك سوف ترين ما أقول لك ، وإني واللَّه ما كذبت ولا كذّبت ، قالت : وأنى ذلك وقد انقطع الحاج ! قال : راقبي الطريق ، فبينما هي كذلك إذ هي بقوم تخبّ بهم رواحلهم كأنهم الرّخم [ ( 3 ) ] ، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها ، فقالوا : مالك ؟ فقالت : امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه ، قالوا : ومن هو ؟ قالت : أبو ذر ، قال : ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ، ثم وضعوا سياطهم في نحورها ، يبتدرونه ، فقال : أبشروا ، فأنتم النفر الذين قال فيكم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم . . . ثم قال : أصبحت اليوم حيث ترون ، ولو أن ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه ، فأنشدكم باللَّه لا يكفنني رجل كان أميرا أو عريفا أو بريدا [ ( 4 ) ] ، فكل القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم ، قال : أنا صاحبه ، الثوبان فىّ عيبتي [ ( 5 ) ] من غزل أمي ، وأحد ثوبىّ هذين اللذين عليّ ، قال : أنت صاحبي فكفني » . وتوفى أبو ذر سنة اثنتين وثلاثين بالربذة ، وصلّى عليه عبد اللَّه بن مسعود ، فإنه كان مع أولئك النفر الذين شهدوا موته ، وحملوا عياله إلى عثمان بن عفان رضى اللَّه عنهم بالمدينة ، فضم ابنته إلى عياله ، وقال : يرحم اللَّه أبا ذر . وكان آدم طويلا أبيض الرأس واللحية ، وسنذكر باقي أخباره في الكنى ، إن شاء اللَّه تعالى . أخرجه الثلاثة .

--> [ ( 1 ) ] المخيط : الإبرة . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : جشم ، ينظر ميزان الاعتدال : 2 / 459 ، والاستيعاب : 253 . [ ( 3 ) ] تخب : تسرع ، والرخم بفتحتين : طائر . [ ( 4 ) ] البريد : الّذي يحمل الرسائل . [ ( 5 ) ] العيبة : ما تجعل فيه الثياب .