ابن الأثير
343
أسد الغابة ( دار الفكر )
فأقام بالمدينة حتى بعث إلى مؤتة ، في جمادى سنة ثمان ، قال : وأخبرنا محمد بن جعفر ، عن عروة ، قال : فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى قتل زيد بن حارثة ، ثم أخذ الراية جعفر ، فقاتل بها حتى قتل . قال : وأخبرنا ابن إسحاق قال : حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير ، عن أبيه ، قال : حدثني أبي الّذي أرضعنى ، وكان أحد بنى مرة بن عوف ، قال : « واللَّه لكأنّي انظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة ، حين اقتحم عن فرس له شقراء ، فعقرها ثم تقدم ، فقاتل حتى قتل . قال ابن إسحاق : فهو أول من عقر في الإسلام . ولما قاتل جعفر قطعت يداه والراية معه ، لم يلقها ، قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : « أبدله اللَّه جناحين يطير بهما في الجنة » ولما قتل وجد به بضع وسبعون جراحة ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، كلها فيما أقبل من بدنه وقيل : بضع وخمسون ، والأول أصح . قال ابن إسحاق : فلما أصيب القوم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فيما بلغني : أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم صمت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار ، وظنوا أنه قد كان في عبد اللَّه بن رواحة ما يكرهون ، ثم قال : أخذها عبد اللَّه بن رواحة فقاتل [ بها [ ( 1 ) ] ] حتى قتل شهيدا ، ثم [ قال [ ( 1 ) ] ] لقد رفعوا في الجنة على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد اللَّه ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : عمّ هذا ؟ فقيل لي : مضيا وتردد [ عبد اللَّه بعض التردد [ ( 1 ) ] ] ثم مضى . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أم عيسى ، عن أم جعفر بنت جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عميس أنها قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وقد عجنت عجيني ، وغسلت بنىّ ودهنتهم ونظفتهم ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : ائتيني بيني جعفر ، فأتيته بهم ، فشمهم [ ( 2 ) ] ودمعت عيناه ، فقلت : يا رسول اللَّه ، بأبي وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم ، فقمت أصيح وأجمع النساء ، ورجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى أهله ، فقال : لا تغفلوا آل جعفر [ ( 3 ) ] فإنّهم قد شغلوا » . قال ابن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لما أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الحزن . وروى أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لما أتاه نعى جعفر ، دخل على امرأته أسماء بنت عميس ، فعزاها فيه ودخلت فاطمة وهي تبكى وتقول : وا عماه ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : على مثل جعفر فلتبك البواكي . ودخله من ذلك هم شديد حتى أتاه جبريل ، فأخبره أن اللَّه قد جعل لجعفر جناحين مضرجين بالدم يطير بهما مع الملائكة .
--> [ ( 1 ) ] عن سيرة ابن هشام : 2 - 380 . [ ( 2 ) ] في السيرة : فتشممهم . [ ( 3 ) ] في السيرة 2 / 381 : لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنّهم قد شغلوا بأمر صاحبهم » .