ابن الأثير
244
أسد الغابة ( دار الفكر )
فلما توفى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أراد أن يخرج إلى الشام ، فقال له أبو بكر : بل تكون عندي ، فقال : إن كنت أعتقتنى لنفسك فاحبسني ، وإن كنت أعتقتني للَّه ، عز وجل ، فذرني أذهب إلى اللَّه عز وجل فقال : اذهب ، فذهب إلى الشام ، فكان به حتى مات . وقيل : إنه أذن لأبى بكر ، رضى اللَّه عنه ، بعد النبي صلّى اللَّه عليه وسلم . أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم الدمشقيّ إجازة ، أخبرنا عمى ، أخبرنا أبو طالب بن يوسف ، أخبرنا أبو محمد الجوهري ، أخبرنا محمد بن العباس أخبرنا أحمد بن معروف ، أخبرنا الحسين بن الفهم ، أخبرنا محمد بن سعد ، أخبرنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي أويس ، أخبرنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن ، حدثني عبد اللَّه بن محمد بن عمار بن سعد وعمار بن حفص بن سعد ، وعمر بن حفص بن عمر بن سعد ، عن آبائهم ، عن أجدادهم أنهم أخبروهم قالوا : لما توفى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم جاء بلال إلى أبى بكر ، رضى اللَّه عنه ، فقال : يا خليفة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، إني سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول : « أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل اللَّه » وقد أردت أن أرابط في سبيل اللَّه حتى أموت ، فقال أبو بكر : أنشدك اللَّه يا بلال ، وحرمتي وحقي ، فقد كبرت واقترب أجلى ، فأقام بلال مع أبي بكر حتى توفى أبو بكر ، فلما توفى جاء بلال إلى عمر رضى اللَّه عنه فقال له كما قال لأبى بكر ، فرد عليه كما رد أبو بكر ، فأبى . وقيل إنه لما قال له عمر ، ليقيم عنده ، فأبى عليه : ما يمنعك أن تؤذن ؟ فقال : إني أذنت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى قبض ، ثم أذنت لأبى بكر حتى قبض ، لأنه كان ولى نعمتي ، وقد سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول : يا بلال ، ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه ، فخرج إلى الشام مجاهدا ، وإنه أذن لعمر بن الخطاب لما دخل الشام مرة واحدة ، فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم روى عنه أبو بكر ، وعمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وعبد اللَّه بن عمر ، وكعب بن عجرة ، وأسامة ابن زيد ، وجابر ، وأبو سعيد الخدريّ ، والبراء بن عازب ، وروى عنه جماعة من كبار التابعين بالمدينة والشام ، وروى أبو الدرداء أن عمر بن الخطاب لما دخل من فتح بيت المقدس إلى الجابية [ ( 1 ) ] سأله بلال أن يقره بالشام ، ففعل ذلك ، قال : وأخي أبو رويحة الّذي آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بيني وبينه ؟ قال : وأخوك ، فنزلا داريّا [ ( 2 ) ] في خولان ، فقال لهم : قد أتيناكم خاطبين ، وقد كنا كافرين ، فهدانا اللَّه ، وكنا مملوكين فأعتقنا اللَّه ، وكنا فقيرين فأغنانا اللَّه ، فإن تزوّجونا فالحمد للَّه ، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا باللَّه ، فزوجوهما . ثم إن بلالا رأى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في منامه وهو يقول : « ما هذه الجفوة يا بلال ؟ ما آن لك أن تزورنا » ؟ فانتبه حزينا ، فركب إلى المدينة فأتى قبر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وجعل يبكى عنده ويتمرع عليه ، فأقبل الحسن والحسين ، فجعل يقبلهما ويضمهما ، فقالا له : نشتهي أن تؤذن في السحر ، فعلا سطح المسجد ، فلما
--> [ ( 1 ) ] الجابية : قرية من أعمال دمشق . [ ( 2 ) ] داريا : قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة ، وخولان : قبيلة عربية نزلت بمصر والشام فخملت أنسابهم ، ينظر الجمهرة : 393 . [ أسد الغابة - كتاب الشعب ]