ابن الأثير
23
أسد الغابة ( دار الفكر )
وقيل : إنه شهد يوم شمطة أيضا وهو من أعظم أيام الفجار وكانت الهزيمة فيه على قريش وكنانة ، قال الزهري : لم يشهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم هذا اليوم ، ولو شهده لم تنهزم قريش ، وهذا ليس بشيء ؛ فان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قد انهزم أصحابه عنه يوم أحد ، وكثر القتل فيهم . ذكر تزوج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خديجة وذكر أولاده قال : وأخبرنا يونس عن ابن إسحاق قال : وكانت خديجة بنت خويلد امرأة ذات شرف ومال ، تستأجر له الرجال ، أو تضاربهم بشيء تجعله لهم منه ، فلما بلغها عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه ، فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام مع غلام لها يقال له : ميسرة ، فقبله منها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وخرج في مالها إلى الشام ، فرآه راهب اسمه نسطور ، فأخبر ميسرة أنه نبي هذه الأمة ، ثم باع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم واشترى ما أراد ، ثم أقبل قافلا ، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعته فأضعف أو قريبا ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب ، فأرسلت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أنى قد رغبت فيك ، لقرابتك منى ، وشرفك وأمانتك ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك ، وعرضت عليه نفسها ، فخطبها وتزوجها على اثنتي عشرة أوقية ونش [ ( 1 ) ] والأوقية أربعون درهما . وقد ذكرنا ذلك في ترجمة خديجة رضى اللَّه عنها . وولد له من الولد بناته كلهن ، وأولاده الذكور كلهم من خديجة إلا إبراهيم ، فأما البنات فزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، رضى اللَّه عنهن ، وأما الذكور فالقاسم ، وبه كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يكنى ، والطاهر والطيب وقيل : القاسم والطاهر ، وعبد اللَّه وهو الطيب ؛ لأنه ولد في الإسلام ، وقيل : القاسم وعبد اللَّه وهو الطاهر والطيب ، فمات القاسم بمكة وهو أول من مات من ولده ، ثم عبد اللَّه قاله الزبير بن بكار . وقد ذكرت في خديجة وفي بناته - رضى اللَّه عنهن - أكثر من هذا . ولما تزوج خديجة كان عمره خمسا وعشرين سنة ، وكانت هي ابنة أربعين سنة ، وقيل غير ذلك . ذكر بناء الكعبة ووضع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الحجر الأسود قال ابن إسحاق : كانت الكعبة رضما [ ( 2 ) ] فوق القامة ، فأرادت قريش أن يهدموها ويرفعوها ويسقفوها ، وكانوا يهابون هدمها ، فاتفق أن نفرا من قريش سرقوا كنز الكعبة ، وكان [ ( 3 ) ] يكون في جوف الكعبة ، وكان البحر قد ألقى سفينة إلى جدة لرجل من الروم ، فتحطمت ، فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها ، فاجتمعت قريش على هدمها ، وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ، ورسول صلّى اللَّه عليه وسلم إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة ، فلما أجمعوا على هدمها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران
--> [ ( 1 ) ] هو : نصف الأوقية . [ ( 2 ) ] الرضم : أن تنضد الحجارة بعضها على بعض من غير ملاط . [ ( 3 ) ] عبارة ابن إسحاق في السيرة 1 - 193 : « وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة » ، أي : كان يوجد .