علي بن محمد البغدادي الماوردي

96

أدب الدنيا والدين

جبابرتهم فساموهم « 1 » سوء العذاب وضربهم « 2 » بالفاقة والفقر وملأ قلوبهم رعبا » . ومن آدابهم نزاهة النفس عن شبه المكاسب والقناعة بالميسور عن كد المطالب فإن شبه المكتسب إثم وكد الطالب ذل والأجر أجدر به من الإثم والعز أليق به من الذل . وأنشدني بعض أهل الأدب لعلي بن عبد العزيز « 3 » القاضي رحمه اللّه تعالى : يقولون لي فيك انقباض وإنما * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما « 4 » أرى الناس من داناهم « 5 » هان عندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقض حق العلم إن كان كلما * بدا طمع صيرته لي سلما « 6 » وما كل برق لاح لي يستفزني « 7 » * ولا كل من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل « 8 » قلت قد أرى * ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما « 9 » أنهنهها عن بعض ما لا يشينها * مخافة أقوال العدا « 10 » فيم أولما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي « 11 » * لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة * إذن فأتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا * محياه بالأطماع حتى تجهما « 12 »

--> ( 1 ) ساموهم : من أسام خسفا أي أولاه وأرداه عليه . ( 2 ) وضربهم : أي عاقبهم . ( 3 ) علي بن عبد العزيز : الجرجاني . ( 4 ) أحجما : أي تأخر وتباعد عن الذل . ( 5 ) داناهم : قاربهم . ( 6 ) السلّم : بضم وتشديد المرقاة والدرجة . ( 7 ) يستفزني : يستخفني . وأراد بالبرق متاع الدنيا من المال والجاه . ( 8 ) منهل : المنهل : عين الماء ، ترده الإبل في المراعي ، والناهل العطشان والريّان أيضا وهو من الأضداد ، وبابه طرب . ( 9 ) الظما : كناية عن الفقر والضرورة . ( 10 ) العدا : بضم العين وكسرها اسم جمع من العدو . ( 11 ) مهجتي : المهجة بضم فسكون : الروح ، ودم القلب أراد به العمر والحياة . ( 12 ) تجهما : صار كريه المنظر .