علي بن محمد البغدادي الماوردي
89
أدب الدنيا والدين
ولم يحمدوا من عالم غير عامل * خلاقا ولا من عامل غير عالم رأوا طرقات المجد عوجا فظيعة « 1 » * وأفظع عجز عندهم عجز حازم لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه كان عليه أحج وله ألزم لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل . وقد قال أبو العتاهية رحمه اللّه : اسمع إلى الأحكام تح - * ملها الرواة إليك عنكا واعلم هديت بأنها * حجج تكون عليك منكا ثم ليتجنب أن يقول ما لا يفعل وأن يأمر بما لا يأتمر وأن يسر غير ما يظهر ولا يجعل قول الشاعر هذا : اعمل بقولي وإن قصرت في عملي * ينفك قولي ولا يضررك تقصيري عذرا له في تقصيره فيضره وإن لم يضر غيره فإن إعذار النفس يغريها ويحسن لها مساويها فإن من قال ما لا يفعل فقد مكر ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع ومن أسر غير ما يظهر فقد نافق . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « المكر والخديعة « 2 » صاحبهما في النار » على أن أمره بما لا يأتمر مطرح وإنكاره ما لا ينكره من نفسه مستقبح بل ربما كان ذلك سببا لإغراء المأمور بترك ما أمر به عنادا وارتكاب ما نهى عنه كيادا « 3 » . وحكي أن أعرابيا أتى ابن أبي ذئب « 4 » فسأله عن مسألة طلاق فأفتاه بطلاق امرأته فقال : أنظر حسنا قال : نظرت وقد بانت منك فولى الأعرابي وهو يقول : أتيت ابن ذئب أبتغي الفقه عنده * فطلق حتى البث « 5 » تبت أنامله
--> ( 1 ) فظيعة : من فظع الأمر فهو فظيع ، أي شديد شنيع ، جاوز المقدار وبابه ظرف . ( 2 ) المكر والخديعة : رواه البيهقي عن قيس بن سعد بن عبادة . ( 3 ) كيادا : الكيد : إرادة مضرة الغير خفية . ( 4 ) ابن أبي ذئب : هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامري المدني الثقة ، كبير الشان قال أحمد كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك ، إلا أن مالكا كان أشد تنقية للرجال منه ، وأقدمه المهدي بغداد حتى حدث بها ، ثم رجع يريد المدينة ، فمات بالكوفة سنة 159 . ( 5 ) البث : أي طلقة قاطعة ، يعني طلقها مني طلاقا بائنا .