علي بن محمد البغدادي الماوردي
73
أدب الدنيا والدين
دعواه ووضوح شكواه فوقع فيها عبيد اللّه بن سليمان هذا « 1 » هذا فأخذها العامل وقرأها فظن أن عبيد اللّه أراد بهذا هذا إثباتا لصحة دعواه وصدق قوله كما يقال في إثبات الشيء هو هو فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان وأراه خط عبيد اللّه وقال له : إن عبيد اللّه قد صدق قولي وصحح ما ذكرت فخفى على الكاتب ذلك وأطيف به على كتاب الدواوين فلم يقفوا على مراد عبيد اللّه فرد إليه ليسأل عن مراده فشدد عبيد اللّه الكلمة الثانية وكتب تحتها واللّه المستعان استعظاما منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج إلى إبانته بالشكل فهذه حال الكتاب في استقباحهم إعجام المكاتبات بالنقط والأشكال فأما غير المكاتبات من سائر العلوم فلم يروه قبيحا بل استحسنوه لا سيما في كتب الأدب التي يقصد بها معرفة صيغة الألفاظ وكيفية مخارجها مثل كتب النحو واللغة والشعر والغريب فإن الحاجة إلى ضبطها بالشكل والإعجام « 2 » أكثر وهي مما سواه من العلوم أيسر وقد قال الثوري « 3 » : الخطوط المعجمة كالبرود « 4 » المعلمة . وقال بعض البلغاء : إعجام « 5 » الخط يمنع من استعجامه وشكله يؤمن إشكاله : وقال بعض الأدباء : رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله . وكما استقبح الكتاب الشكل والإعجام في المكاتبات وإن كان في كتب العلوم مستحسنا فكذلك استحسنوا مشق الخط في المكاتبات وإن كان في العلوم مستقبحا وسبب ذلك أنهم لفرط إدلالهم « 6 » بالصنعة وتقدمهم في الكتابة
--> ( 1 ) هذا هذا : مراد عبيد اللّه هذا هذا أي يقطع سريعا ويحكم برأيه من التهمة أو من هذا الرجل إذا تكلم بغير معقول فمراده على ذلك هذا : كثير الهذيان . ( 2 ) والإعجام : أعجم الكتاب إذا نقطه . ( 3 ) الثوري : هو سفيان بن سعيد ، وثور اسم قبيلة من مضر أحد أصاحب المذاهب الستة المتبوعة المتفق على جلالة قدره ، وكثرة علومه ، وصلابة دينه ، وتوثيقه وأمانته وهو من تابع التابعين وأمير المؤمنين في الحديث قال ابن المبارك كتبت عنه ألف ومائة ، وما كتبت عن أحد أفضل من سفيان روى له الجماعة وتوفي سنة 260 ه - . ( 4 ) البرود : جمع برد بضم الباء اللباس المخطط . ( 5 ) إعجام الخط : أي إزالة عجمه وإبهامه بتنقيط وحركات . ( 6 ) إدلالهم : ممارستهم وملكتهم .