علي بن محمد البغدادي الماوردي
7
أدب الدنيا والدين
وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله اللّه تعالى للدّين أصلا وللدنيا عمادا فأوجب التكليف بكماله وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم « 1 » وتباين أغراضهم ومقاصدهم وجعل ما تعبدهم به قسمين : قسما وجب بالعقل فوكده الشرع وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع فكان العقل لهما عمادا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : لكل شيء دعامة « 2 » ودعامة عمل المرء فبقدر عقله تكون عبادته لربه أما سمعتم قول الفجار : لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير « 3 » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أصل الرجل عقله وحسبه دينه ومروءته خلقه . وقال الحسن البصري رحمه اللّه : ما استودع اللّه أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما . وقال بعض الحكماء : العقل أفضل مرجو والجهل أنكى « 4 » عدوّ وقال بعض الأدباء : صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله . وقال بعض البلغاء : خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل . وقال بعض الشعراء وهو إبراهيم ابن حسان : يزين الفتى في الناس صحة عقله * وإن كان محظورا « 5 » عليه مكاسبه يشين الفتى في الناس قلة عقله « 6 » * وإن كرمت « 7 » أعراقه « 8 » ومناسبه « 9 » يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه * على العقل يجري علمه وتجاربه وأفضل قسم « 10 » اللّه للمرء عقله * فليس من الأشياء شيء يقاربه
--> ( 1 ) ومآربهم : جمع مأربة - بفتح الراء وضمها : الحاجة . ( 2 ) دعامة : بكسر الدال : عماد البيت . ( 3 ) الحديث : رواه في الأحياء عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ( 4 ) أنكى عدو : أي لا يرحم أصلا ، بل يقتل من صادفه . ( 5 ) محظورا : ممنوعا . ( 6 ) قلة عقله : فساد رأيه . ( 7 ) كرمت : عزت وشرفت . ( 8 ) أعراقه : جمع عرق بكسر العين : أصل الشيء . ( 9 ) مناسبة : جمع نسب على غير قياس ، وهو القرابة من الجانبين ، أو من جانب الأدب خاصة . ( 10 ) قسم بفتح فسكون : مصدر قسم . وهو ما يقسمه اللّه بين الناس من الحظوظ والمواهب .