علي بن محمد البغدادي الماوردي

63

أدب الدنيا والدين

نفسك وأتعبت خاطرك ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله فتكون فيه كما كنت قبله . فاصرف نفسك تولي اللّه رشدك عن علوم النوكى « 1 » وتكلف البطالين فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال ؛ « من حسن « 2 » إسلام المرء تركه ما لا « 3 » يعنيه » . ثم اجعل ما من اللّه به عليك من صحة القريحة وسرعة الخاطر مصروفا إلى علم ما يكون إنفاق خاطرك فيه مذخورا « 4 » وكد فكرك فيه مشكورا . وقد روى سعيد بن أبي هند عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، « نعمتان « 5 » مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ » ونحن نستعيذ باللّه من أن نغبن فضل نعمته علينا ونجهل نفع إحسانه إلينا وقد قيل في منثور الحكم : من الفراغ تكون الصبوة « 6 » . وقال بعض البلغاء : من أمضى يومه في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله « 7 » أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه . وقال بعض الشعراء : لقد هاج « 8 » الفراغ عليك شغلا * وأسباب البلاء من الفراغ فهذا تعليل ما في الكلام من الأسباب المانعة من فهم معانيه حتى خرج بنا الاستيفاء إلى الإطالة والكشف إلى الإغماض .

--> ( 1 ) النّوكى : الحمق . ( 2 ) من حسن اسلام . . . : رواها الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ، وغيرهما عن غيره ، قال المناوي : حسن الشيء غير الشيء ألا ترى أن برد الماء غير الماء ، وريح المسك غير المسك ، وحلاوة العسل غير العسل ، وقبح الشر غير الشر . ( 3 ) ما لا يعنيه : قال الغزالي : حد ما لا يعنى : هو الذي لو ترك لم يفت به ثواب ، ولم ينجر به ضرر . ( 4 ) مذخورا : متخذا لوقت حاجة إليه . ( 5 ) نعمتان مغبون . . . : رواه البخاري والترمذي وابن ماجة . شبه المعكف بالتاجر ، والصحة والفراغ برأس المال ، لكونها سببا للربح ، فمن عامل اللّه بامتثال أمره ربح ، ومن عامل الشيطان باتباع أمره خسر . قال ابن بطال : معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفيا صحيح البدن ، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن ، بأن لا يترك شكر اللّه على ما أنعم به عليه ، ومن شكره بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فمن فرط في ذلك فهو مغبون . ( 6 ) الصبوة : جهلة الفتوة والشباب . ( 7 ) أثّله : عظمه ، وقواه . ( 8 ) هاج : أثار .