علي بن محمد البغدادي الماوردي
61
أدب الدنيا والدين
معجز كالصنعة التي وضعها أربابها اسما لعلم الكيمياء « 1 » فرمزوا بأوصافه وأخفوا معانيه ليوهموا الشح به والأسف « 2 » عليه خديعة للعقول الواهية والآراء الفاسدة . وقد قال الشاعر : منعت شيئا فأكثرت الولوع « 3 » به * وحب شيء إلى الإنسان ما منعا ثم ليكونوا براء « 4 » من عهدة ما قالوه إذا جرب ولو كان ما تضمن هذين النوعين وأشباههما من الرموز معنى صحيحا وعلما مستفادا لخرج من الرمز الخفي إلى العلم الجلي فإن أغراض الناس مع اختلاف أهوائهم لا تتفق على ستر سليم وإخفاء مفيد . وقد قال زهير : الستر دون الفاحشات « 5 » ولا * يلقاك دون الخير من ستر وربما استعمل الرمز من الكلام فيما يراد تفخيمه من المعاني وتعظيمه من الألفاظ ليكون أحلى في القلوب موقعا وأجل في النفوس موضعا فيصير بالرمز سائرا « 6 » وفي الصحف مخلدا كالذي حكي عن فيثاغورس « 7 » في وصاياه المرموزة أنه قال : احفظ ميزانك من الندى « 8 » وأوزانك من الصدى « 9 » يريد بحفظ الميزان من الندى حفظ اللسان من الخنا « 10 » وحفظ الأوزان من الصدى حفظ العقل من الهوى فصار بهذا الرمز مستحسنا ومدونا ولو قاله باللفظ الصريح والمعنى الفصيح لما سار عنه ولا استحسن منه وعلة ذلك أن
--> ( 1 ) الكيمياء : معرب من كيم به ، وهو لفظ عبراني ، معناه آية من اللّه وفي القاموس الصنعة المخروجة بالحذق والحيلة ، وهو لفظ يوناني . مثلا : الشمس عندهم للذهب والقمر للفضة . فهذا تواضع واصطلاح خاص بهم ، لا يفهم من اللغة ، بل لا بدّ من معرفة ما اصطلحوا عليه . ( 2 ) والأسف عليه : يقال : أسف عليه إذا حزن أشدّ الحزن . ( 3 ) الولوع : يقال : ولع بالشيء إذا علق به شديدا . ( 4 ) براء : جمع بريء ، ككريم وكرام . ( 5 ) الفاحشات : القبائح . ( 6 ) سائرا : ماشيا كالأمثال . ( 7 ) فيثاغورس : عالم رياضي يوناني مشهور بنظرياته الرياضية . ( 8 ) الندى : الفحش من القول . وفلان بذيّ اللسان والمرأة بذيّة . ( 9 ) الصّدى : الوسخ ، وهو الصدأ ، الذي يعلو النحاس ونحوه إذا مسته رطوبة . ( 10 ) الخنا : يقال : خنا يخنو ، وخنى يخنى إذا أفحش في منطقه .