علي بن محمد البغدادي الماوردي

55

أدب الدنيا والدين

بالمذهب تكلفا والاستكثار منه تخلفا وحاجني « 1 » بعضهم عليه فقال : كيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وعلم المناظر علما مشهورا فقلت : كيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وهو سريع الجواب كثير الصواب لأنه إن لم يسأل سكت فلم يعرف « 2 » والمناظر إن لم يسأل سأل فعرف وقلت أليس إذا سئل الحافظ فأصاب بأن فضله قال نعم قلت : أفليس إذا سئل المناظر فأخطأ بأن نقصه وقد قيل : عند الامتحان يكرم المرء أو يهان فأمسك عن جوابي لأنه إن أنكر كابر « 3 » المعقول ولو اعترف لزمته الحجة والامساك إذعان والسكوت رضا ولأن ينقاد إلى الحق أولى من أن يستفزه الباطل « 4 » وهذه طريقة من يقول أعرفوني وهو غير عروف « 5 » ولا معروف وبعيد ممن لا يعرف العلم أن يعرفه به . وقد قال زهير : ومهما تكن عند امرئ من خليفة « 6 » وإن خالها « 7 » تخفى على الناس تعلم ومن أسباب التقصير أيضا أن يغفل عن التعلم في الصغر ثم يشتغل به في الكبر فيستحي أن يبتدئ بما يبتدئ الصغير ويستنكف « 8 » أن يساويه الحدث « 9 » الغرير « 10 » فيبدأ بأواخر العلوم وأطرافها ويهتم بحواشيها وأكنافها « 11 »

--> ( 1 ) حاجني : خاصمني ، وجادلني . ( 2 ) فلم يعرف : أي علمه . ( 3 ) كابر المعقول : المكابرة : هي مدافعة الحق ورده بعد ظهوره وقد تطلق على المنازعة في المسائل العلمية ، لا لاظهار الصواب بل لإلزام الخصم . ( 4 ) أن يستفزه الباطل : أي يزعجه ويذهب مكانته ووقاره بالتزامه ومدافعة الحق . ( 5 ) عروف : عارف ، فهو فعول بمعنى فاعل . ( 6 ) خليقة : الخليقة والخلق بمعنى واحد : الخلق السيئ أو الحسن . ( 7 ) خالها : ظنها . ( 8 ) يستنكف : يمتنع ويأنف . ( 9 ) الحدث : صغير السن . ( 10 ) الغرير : الجاهل المغرور . ( 11 ) وأكنافها : أطرافها .