علي بن محمد البغدادي الماوردي
361
أدب الدنيا والدين
غير إكثار ولا إطراح فإن إطراح مراعاتها وترك تفقدها مهانة وذل وكثرة مراعاتها وصرف الهمة إلى العناية لها دناءة ونقص وربما توهم بعض من خلا من فضل وعري عن تمييز ان ذلك هو المروءة الكاملة والسيرة الفاضلة لما يرى من تميزه بذلك عن الأكثرين وخروجه عن جملة العوام المسترذلين وخفي عليه أنه إذا تعدّى طوره وتجاوز قدره كان أقبح لذكره وأبعث على ذمه فكان كما قال المتنبي : لا يعجبن مضيما حسن بزّته * وهل يروق دفينا جودة الكفن وحكى المبرد أن رجلا من قريش كان إذا اتسع لبس أرث ثيابه وإذا ضاق لبس أحسنها فقيل له في ذلك إذا اتسعت تزينت الجود وإذا ضقت فالبهيئة . وقد أتى ابن الرومي بأبلغ من هذا المعنى في شعره فقال : وما الحلي إلّا زينة لنقيصة * يتمم من حسن إذا الحسن قصرا فأما إذا كان الجمال موفرا * كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا ولذلك قالت الحكماء : ليست العزة في حسن البزة . وقال بعض الشعراء : وترى سفيه القوم يدنس « 1 » عرضه * سفها ويمسح نعله وشراكها وإذا اشتد كلفه بمراعاة لباسه قطعة ذلك عن مراعاة نفسه وصار الملبوس عنده أنفس وهو على مراعاته أحرص . وقد قيل في منثور الحكم : البس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك . وقال خالد بن صفوان لا ياس ابن معاوية : أراك لا تبالي ما لبست فقال : ألبس ثوبا أقي به نفسي أحب إليّ من ثوب أقيه بنفسي . فكما أنه لا يكون شديد الكلف بها فكذلك لا يكون شديد الإطراح لها . فقد حكي عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنظر إليه رث الهيئة فقال : ما لك ؟ قال : من كل المال قد آتاني اللّه فقال : إن اللّه تعالى يجب إذا أنعم على امرئ نعمة أن ينظر إلى أثرها عليه . وقد قيل : المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة . وهكذا القول في
--> ( 1 ) يدنس : يشين .