علي بن محمد البغدادي الماوردي

35

أدب الدنيا والدين

كنتم سادة فقتم وإن كنتم وسطا سدتم وإن كنتم سوقة « 1 » عشتم وقال بعض الحكماء : العلم شرف من لا قدر « 2 » له والأدب مال لا خوف عليه وقال بعض الأدباء : العلم أفضل خلف « 3 » والعلم به أكمل شرف . وقال بعض البلغاء : تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك « 4 » صغيرا ويقدمك ويسودك « 5 » كبيرا ويصلح زيغك « 6 » وفاسدك ويرغم « 7 » عدوك وحاسدك ويقوم « 8 » عوجك « 9 » وميلك ويصحح همتك وأملك . وقال علي رضي اللّه تعالى عنه : قيمة كل امرئ ما يحسن فأخذه الخليل « 10 » فنظمه شعرا فقال : لا يكون العلي مثل الدني * لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء قدر ما يحسن المرء * قضاء من الإمام علي وليس يجهل فضل العلم إلا أهل الجهل لأن فضل العلم إنما يعرف بالعلم وهذا أبلغ في فضله لأن فضله لا يعلم إلا به فلما عدم الجهال العلم الذي به يتوصلون إلى فضل العلم جهلوا فضله واسترذلوا أهله وتوهموا أن ما

--> ( 1 ) سوقة : بضم السين : الرعية ، يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث سموا به لأن السلطان والأمير يسوقهم حيث شاء . ( 2 ) لا قدر له : بفتح فسكون ، أي لا يقاس به شيء . ( 3 ) خلف : بفتح الخاء واللام : الولد الصالح ، وما يستخلف من شيء ( 4 ) ويسدّدك : يرشدك للصواب من القول والعمل . ( 5 ) ويسوّدك : يجعلك سيدا . ( 6 ) زيغك : أصل الزيف : الدراهم المغشوشة . ( 7 ) ويرغم : يلصق أنفه بالرغام ، وهو التراب ، وهو كناية عن الذل . ( 8 ) ويقوّم : يسدد . ( 9 ) عوجك : على وزن عنب وهو ضد الاستقامة . ( 10 ) الخليل : أبو عبد الرحمن البصري الفراهيدي ، ولد بالبصرة سنة 100 ه - . ونشأ بها ، واشتغل بالعلوم ، وصنف الكتب الكثيرة ، ووضع علم العروض وتبعه فيه الناس ، وكان من أزهد الناس ، وأعلاهم نفسا ، وأشدهم تعففا ، ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرفون إليه ، لينال منهم ، فلم يكن يفعل ، وكان يعيش من بستان له ، خلفه عليه والده . وكان يغزو سنة ويحج أخرى حتى جاءه الموت سنة 160 .