علي بن محمد البغدادي الماوردي

33

أدب الدنيا والدين

عنانا « 1 » وأقلق جنانا « 2 » إذا رمقتنا « 3 » أعين المتتبعين وتناولتنا ألسن المتعنتين هل نجد غير توفيق اللّه تعالى ملاذا وسوى عصمته معاذا « 4 » ؟ باب أدب العلم « 5 » اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب وأفضل ما طلب وجد « 6 » فيه الطالب وأنفع ما كسبه واقتناه « 7 » الكاسب لأن شرفه ينم على صاحبه وفضله ينمى عند طالبه . قال اللّه تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فمنع سبحانه المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص « 8 » به العالم من فضيلة العلم وقال تعالى : وَما يَعْقِلُها « 9 » إِلَّا الْعالِمُونَ فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرا أو يفهم منه زجرا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : أوحى اللّه إلى إبراهيم عليه السلام اني عليم أحب كل عليم . وروى أبو أمامة قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن رجلين أحدهما عالم والآخر عابد فقال صلّى اللّه عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا . وقال علي بن أبي

--> ( 1 ) عنانا : العنان بكسر العين : اللجام الذي تمسك به الدابة . أراد به اللسان . ( 2 ) جنانا : بفتح الجيم أي أضيق منه قلبا . ( 3 ) رمقتنا : الرمق : اللحظ الخفيف ، وذلك النظر هو نظر الاستخفاف والاستهزاء . ( 4 ) معاذا : ملجأ ( 5 ) العلم : هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، والجهل نقيضه . والمعرفة إدراك الشيء يتفكر وتدبر لأثره ، فلا يقال : يعرفه اللّه ، بل يعلمه اللّه . والعلم : قسمان : قديم ، وهو علم اللّه ، وحادث ، وينقسم العلم الحادث إلى قسمين : بدهي ، ويعبر عنه بالضروري . واستدلالي ، ويعبر عنه بالاكتسابي فالبدهي : ما لا يحتاج إلى تقديم مقدمة ، كالعلم بوجود المرء نفسه ، والعلم الحاصل بالحواس الخمس الظاهرة ، والاستدلالي ما يحتاج إلى تقديم مقدمة ، كالعلم بثبوت الصانع وقدمه ، وحدوث الأعيان والأعراض ، أنواع وتقسيمات كثيرة متعلقة بكل من هو مخصوص . ( 6 ) جد : سعى وجهد . ( 7 ) اقتناه : اتخذه . ( 8 ) خص به : تميّز به . ( 9 ) وما يعقلها : وما يعقل صحتها وحسنها وفائدتها .